سورة الفاتحة | حـ 7 | مقدمة | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 7 | مقدمة | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • القرآن الكريم نص واحد ذو شأن عظيم، هدى للمتقين وعمى على الكافرين.
  • من يدخل القرآن طالباً الهداية ينفتح له ويجد فيه العجب العجاب ولا تنتهي عجائبه.
  • من يدخل القرآن للعب أو النقض يصبح القرآن عليه عمى وحسرة، فهو ليس قابلاً للنقد كونه من رب العالمين.
  • القرآن معجزة مستمرة، كما وصفه الله: "هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى".
  • الهداية نور والضلالة ظلام، والإنسان محتاج للنور في حياته ودعاء الله.
  • الفاتحة تلخص العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والأكوان، وبين الإنسان ونفسه.
  • يجب على كل إنسان أن يجعل لنفسه هدفاً، ومقصود الحياة هو الله سبحانه وتعالى.
  • العرب إذا أحبت شيئاً أكثرت من أسمائه، فالخمر لها تسعون اسماً، والأسد سبعمائة اسم، والبحر ثلاثون اسماً، والفاتحة عشرون اسماً.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الجلسة وبيان عظمة القرآن الكريم وكونه هدى للمتقين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات، وكتاب الله شأنه عظيم؛ لأنه هدى للمتقين، وإن كان وهو في نفس النص عمى على الكافرين. سبحان الله! نص واحد، إذا دخلته تطلب منه الهداية هداك وانفتح لك، ورأيته نسقًا مفتوحًا ترى فيه العجب العجاب كل يوم، لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

القرآن لا يقبل النقض ولا النقد لأنه كلام رب العالمين

وإذا دخلته تلعب معه، وإذا دخلته تريد أن تنقضه أو تنقده — بالضاد والدال — تنقضه يعني تهدمه، تنقده يعني تبيّن مساوئه ومحاسنه، هو كله محاسن، لا قابل للنقد ولا قابل للنقض؛ لأنه ليس من كلام البشر.

رب العالمين هو الذي أنزله، ورب العالمين هو الذي جعله العهد الأخير بينه وبين البشر. إذا دخلته للعب أغلق نفسه عليك وصار عمى وحسرة على من يدخل فيه. نص واحد، ما هذا الإعجاز! هذه معجزة في ذاتها، ولذلك هو معجزة رسالة مستمرة.

الآية القرآنية التي تصف القرآن بأنه هدى وشفاء للمؤمنين وعمى على غيرهم

يصفه ربه فيقول هكذا:

﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُٓ ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 44]

سبحان الله! المؤمن يدخل فيراه هدى وشفاء ويهديه؛ لأنه استهداه. وغير المؤمن يصمّ آذانه عنه ويدخله للعب والعبث والنقض والهدم، فإذا به يكون عليه عمى.

كيف يكون النص الواحد هدى وعمى وطلب الهداية من كتاب الله

والله لما يكون في نصين، نص هكذا [هدى] ولكن هذا نص واحد، كيف يكون هكذا [هدى] وكيف يكون هكذا [عمى]؟! فطلب منا الله سبحانه وتعالى أن ندخله طالبين للهداية، فإذا ما سمعناه طلبًا للهداية هُدينا.

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]

لو سمع كلام الله فإنه يكون متهيئًا للهداية.

الدعوة لدخول كتاب الله طلبًا للهداية والنور وطرد الظلام

فهيا بنا ندخل إلى كتاب الله سبحانه وتعالى طلبًا للهداية، نستهديه؛ لأننا عندما نستهدي كتاب الله فإنما نستهدي الله سبحانه وتعالى ونطلب منه الهداية. والهداية نور والضلالة ظلام.

ونحن نحتاج إلى النور في حياتنا، ونحتاج إلى طرد الظلام من حياتنا، ونحتاج إلى من خلقنا حتى نمد أيدينا إلى السماء: يا رب يا رب، فيستجيب لنا.

العمل والدعاء معًا سنة الأنبياء وأمر الله بعمارة الأرض

نعمل وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل لعملنا فائدة وثمرة. نكدّ ونعمر الدنيا كما أمرنا:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

يعني طلب منكم عمارتها. ولكن الفلاح يلقي الحبّ ثم يدعو يقول: يا رب، والطبيب يقوم بالعملية الجراحية وبعدها يقول: يا رب أنت الشافي. أي أننا فعلنا ما علينا كما أمرتنا، ولو أمرنا أن نسكت لسكتنا، لكنه أمرنا بالعمل:

﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]

سورة الفاتحة تلخص علاقة الإنسان بربه وبالأكوان وبنفسه

ندخل إلى كتاب الله سبحانه وتعالى فنجد الفاتحة. وكانت العرب إذا أحبت شيئًا أكثرت من أسمائه، فأحب المسلمون الفاتحة؛ لأنها تلخص كل القضية: العلاقة بين الإنسان وبين رب الناس، العلاقة بين الإنسان وبين الأكوان، العلاقة بين الإنسان وبين نفسه.

تلخص كل حياة الإنسان، والإنسان الذي لا هدف له فإنه في ضلالة، فيجب على كل إنسان أن يجعل لنفسه هدفًا. وهدفنا ومقصودنا ومقصود الكل هو الله سبحانه وتعالى؛ فإن هدفي في الحياة هو الله، ولأجل الله أفعله وأتركه وأتحدث وأسكت.

عادة العرب في تسمية ما يحبون ويخافون بأسماء كثيرة كالخمر والأسد

العرب أحبت الخمر فسمّوها بتسعين اسمًا؛ الخمر في لغة العرب لها تسعون اسمًا: الشمول، والداء، والدواء، والصفراء، والتي لا أعرف ماهيتها. أحبت العرب الخمر جدًا، ولذلك كان تشريع تحريم الخمر عندما نزل عليهم بأنه حرام حفاظًا للعقل كان صعبًا عليهم، لكنهم استجابوا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

النبي عليه الصلاة والسلام لم يشرع لهم ما يوافقهم، بل شرع لهم ما بناهم من الداخل وجعلهم بني آدمين، جعلهم إنسانًا يعمر الأرض.

خافوا من الأسد فأكثروا من أسمائه؛ الأسد له سبعمائة اسم في لغة العرب: الليث، والغضنفر، والضرغام، والذي لم يُضرغَم، أشاوس... سبعمائة اسم؛ لأنهم خائفون منه.

أسماء البحر في لغة العرب ومعنى كلمة كافر في اللغة

البحر كانوا يخافونه، يخافون البحر، فله ثلاثون اسمًا في لغة العرب: اليمّ، والبحر... لدرجة أنهم سمّوا النهر بحرًا أيضًا، أي مياه هكذا يسمونها بحرًا.

والظلم سمّوا البحر الظلم، والكافر؛ لأنه يكفر ما ينزل فيه، يعني يستر ما ينزل فيه. فأيضًا غير العربي عندما يسمع أن العرب سمّوا البحر كافرًا يظن أنه ضد المؤمن، يعني لا! كفر الشيء يعني ستره، وسُمّي الكافر كافرًا لأنه ستر عن الإيمان [أي حجب قلبه عنه].

أسماء سورة الفاتحة العشرون دليل محبة المسلمين لها والختام

الفاتحة لها عشرون اسمًا تقريبًا: الكافية، والشافية، والفاتحة، وغير ذلك. فكانت العرب إذا أحبت شيئًا أكثرت من أسمائه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.