سورة الفاتحة | حـ 12 | آية 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 12 | آية 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الفاتحة ركن من أركان الصلاة عند كثير من أئمة المسلمين، جمع الله فيها علوم الأولين والآخرين وقضايا الإنسان وهدفه في الحياة.
  • يقرأ الفاتحة الجميع بغض النظر عن حالهم الاجتماعية، ويشعرون فيها بمشاعر ربانية عظيمة.
  • تبدأ بالبسملة التي تؤكد أن الله يكلفنا ويخاطبنا بالرحمة لا بالمشقة والحرج.
  • الحمد هو الثناء بالجميل، وفهم القرآن يتطلب الوقوف عند كل حرف وكلمة.
  • "أل" في "الحمد" لها معانٍ متعددة: الاستغراق أي كل أنواع الحمد لله، أو للجنس أي مادة الحمد وأصله.
  • أنواع الحمد أربعة: حمد قديم لقديم (حمد الله لذاته)، حمد قديم لحادث (مدح الله للرسول)، حمد حادث لقديم (حمدنا لله)، وحمد حادث لحادث.
  • "أل" في القرآن قد تأتي للاستغراق أو للجنس أو للعهد الحضوري أو الذهني.
  • تأسيس فهم الفاتحة يضع قواعد لفهم القرآن كله.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس والتعريف بسورة الفاتحة وأهميتها في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق المعدودة مع الفاتحة؛ الأساس، الشافية الكافية، التي هي ركن من أركان الصلاة عند كثير من أئمة المسلمين، والتي بدأ الله سبحانه وتعالى بهذه الفاتحة كتابه المبين.

والتي قال فيها العلماء إن الله قد جمع فيها علوم الأولين والآخرين، وكأنهم يعنون بذلك أنه قد جُمعت فيها قضايا الإنسان، وهدف الإنسان في الحياة، وطريقة مخاطبة الإنسان لربه.

تميز الفاتحة عن أدعية الأديان الأخرى في مخاطبة الله

ففي بعض الأديان يقول المرء: الحمد لله الذي خلقتني ذكرًا ولم تخلقني أنثى، أي كأن المرأة لا تصلي عندهم، في بعض الأديان هكذا مكتوب في كتبهم هكذا، وفي الصباح يقولون هكذا.

لكن الفاتحة شيء عالٍ جدًا، يقرؤها الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والقوي والضعيف، والفقير والغني، ويشعرون فيها بأحاسيس ومشاعر ربانية.

البدء بالبسملة والتبرك بها ودلالتها على رحمة الله بعباده

نبدأ قراءتنا مصاحبين على سبيل التبرك: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنه قد غلبت رحمته غضبه، وسبقت رحمته عذابه.

وهو سبحانه وتعالى وهو يكلمنا ويخاطبنا ويكلفنا بالرحمة، لا يكلفنا بالعنت ولا بالضيق ولا بالحرج.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]

إذن بسم الله الرحمن الرحيم، أول كلمة ماذا إذن؟ الحمد لله رب العالمين.

معنى الحمد والثناء والفرق بين الثناء والنثاء في اللغة العربية

الحمد هو الثناء، والعرب كانت تحب أن تكون اللغة خاصتها واسعة ولها جرس. فيقول لك: الثناء هو المدح بخير، والنثاء هو الكلام بشر أو الذم بشر.

فيكون ثناء - الثاء أولًا ثم النون، وعندما تضع النون أولًا يكون نثاء. النثاء عكس الثناء، سبحان الله! كانوا يحبون أن تكون لغتهم لطيفة هكذا بخصائص قد لا توجد في لغة غيرها، وإذا وجدت باهتة.

سبب نزول القرآن الكريم باللغة العربية لسعتها واشتقاقاتها

ومن أجل هذا، لسعة اللغة العربية ولتمكنها ولجذورها وللاشتقاق الكبير فيها ولأحوالها النحوية والصرفية والأسلوبية، أنزل الله الكتاب بها، الكتاب الخاتم.

بالإضافة إلى أنها لغة المخاطبين الذين جاء منهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلفهم الله فيما كلفهم بالدعوة:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]

فالحمد هو الثناء بالجميل. فيقول ماذا؟ الحمد.

ضرورة التوقف عند كل كلمة وحرف في القرآن لفهمه فهمًا عميقًا

فأنت لكي تقرأ القرآن وتفهمه، يجب أن تقف عند كل حرف فيه، لا تقرأه كقراءة الصحيفة أو المقالة من أولها إلى آخرها هكذا، وأنت تنظر إليها وأنت سائر، وتُنهيها وتعرف ما فيها. هذا يُنشئ عقلية هشة، هذه الطريقة.

لكن الطريقة الثانية هي أن تقف عند كل كلمة وكل حرف، وتأتي واقفًا.

وظيفة الألف واللام التعريفية والفرق بين النكرة والمعرفة

ما هي "ال" هذه؟ العرب يقولون لك أن "ال" هذه وظيفتها التعريف. الكلام منه: حمد والحمد، حسن والحسن.

تعرف إذن أن هذه نكرة وهذه معرفة. حسنًا، هذه الوظيفة الخاصة بها.

معنى الاستغراق في الألف واللام وكتاب السبكي في لفظ كل

ما معناها [أي "ال"] إذن؟ قال: والله من الممكن أن نراها تفيد الاستغراق. قال له: يعني ما الاستغراق؟ قال: الاستغراق يعني أن تزيلها [أي "ال"] وتضع مكانها "كل".

هو السبكي له كتاب اسمه "كل وما عليه تدل"، ألّف كتابًا في الحرف "كل"، في هذا اللفظ "كل"، هذا في موضع اللفظ، "كل" هذا.

فيقول ماذا؟ "ال" بمعنى "كل" تكون للاستغراق، تفيد الاستغراق.

تطبيق معنى الاستغراق على الحمد لله وأنواع الحمد الأربعة

حسنًا، قل هنا هكذا: الحمد لله، كل حمد لله. هل يستقيم المعنى؟ يعني كل أنواع الحمد لله.

طيب، هل الحمد له أنواع؟ قال: نعم، فما هي؟

  1. حمد قديم لقديم: ربنا يمدح ذاته سبحانه وتعالى، فيكون هذا حمدًا.
  2. حمد قديم لحادث: مثل سيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم]، ربنا مدحه، فيكون ربنا عندما يمدح الحادث الذي هو بشر، الرسول صلى الله عليه وسلم، يكون مدحًا قديمًا لحادثٍ. حادث يعني كان بعد أن لم يكن.
  3. حمد حادث لقديم: كما تقول أنت، ها هو الحمد لله، ما هو صادر منك حمدٌ لربنا.
  4. ثم حمدٌ حادث لحادث.

إنها الأربعة هكذا: حادث وقديم، فيكون إذن طالما حادث وقديم ستأتي معك القسمة أربعة: قديم قديم، حادث حادث، قديم حادث، حادث قديم. لا تأتي إلا هكذا.

خلاصة معنى الاستغراق في الحمد لله وشموله لجميع أنواع الحمد

فتكون أنواع الحمد هكذا: الحمد لله، يعني كل حمد لله، يصلح ويجوز. وقد تكون ["ال"] للاستغراق، أي استغرقت أنواع الحمد، يعني كل الحمد لله.

وهي حلوة جميلة تناسب ما يليق به سبحانه وتعالى، أن كل حمد لك يا رب، سواء صدر مني أو صدر من أي شخص. حتى عندما أشكر زميلي فإنني أحمدك أيضًا، فالحمد الأصلي لك أنت.

معنى الألف واللام للجنس وتطبيقها على مادة الحمد وأحواله

وقد تكون ["ال"] للجنس. وما هو هذا الجنس؟ قالوا: يعني مادة الشيء، مادة الشيء.

فمثلًا هذه الجبة، ما هي مادتها؟ قماش، فهي ليست مصنوعة من ورق، ليس مصنوعًا من حديد، وليس مصنوعًا من خشب. حسنًا، وهذا الكرسي، ما المادة التي صُنع منها؟ خشب. فالجنس معناه مادة الشيء هكذا.

حسنًا، أقول: مادة الحمد، القماشة التي صُنع منها الحمد، القماشة التي فُصّل منها الحمد. فالحمد منه كثير ومنه قليل، ومنه طارئ ومنه مستمر، ومنه منقطع، ومنه أحوال كثيرة للحمد. قماش الحمد هذا لله، أي جنس الحمد هو لله. تصلح، جميلة أيضًا.

تلخيص أنواع الألف واللام وأهمية تأسيس هذه القاعدة لفهم القرآن

فتكون "ال" قد تكون للاستغراق، وقد تكون للجنس. انتبه أن ما سنقوله في "ال" هذه موجود في كل "ال" في القرآن، لكن أحيانًا تصلح للاستغراق مرة، وتصلح للجنس مرة، وتصلح للأشياء التي سنذكرها لاحقًا مرة، وهكذا.

فنحن ونحن نؤسس الآن، يمكن أن نمكث مع الفاتحة مدة، لكن سيكون معنا قواعد نفهم بها القرآن كله. الألف واللام هذه لا تنساها أنها قد تكون للاستغراق وقد تكون للجنس.

معنى الألف واللام للعهد الحضوري والذهني مع أمثلة توضيحية

وقال [العلماء] قد تكون ["ال"] للعهد. ما هذا العهد؟ الذي في بالي وبالك، الذي بيني وبينك.

أنت لستَ تعرف أن الرجل الذي قابلناه بالأمس، قلتَ لي: نعم، قلتُ لك: إنّ هذا الرجل... يكون الألف واللام هنا للعهد. العهد يعني ماذا؟ يعني ما عهِدتَه، وعهدتَه يعني الذي بيننا وبين بعضنا. ألسنا كنا نتحدث الآن عن رجل معين؟

إذن الألف واللام عندما نستعملها هنا تفيد الرجل الذي في ذهني وذهنك الذي نعرفه. عندما قلت لك فلان فعل وصنع وترك، وبعد ذلك دخل علينا شخص فقلت لك: هو الرجل هذا. لم أُرِد أنا أن أذكر اسمه، إذن يكون "الرجل" هنا أي المعهود المفهوم بيني وبينك، أنا لا أريد غيري وغيرك أن يعرف مثلًا.

أنواع العهد الحضوري والذهني وتلخيص أنواع الألف واللام الأربعة

فالألف واللام قد تأتي للعهد. العهود نوعان:

  1. عهد حضوري: أي حاضر بين أيدينا الآن.
  2. عهد ذهني: في عقلي وعقلك.

الشخص عندما يكون حاضرًا يكون عهد حضوري، وهذا الشخص يعني الذي أمامي وأمامه. وعندما يكون غائبًا يكون عهد ذهني.

إذن العهد على أربعة أنواع، كما أن الألف واللام هذه على أربعة أنواع:

  • إما أن تكون للاستغراق.
  • وإما أن تكون للجنس.
  • وإما أن تكون للعهد الحضوري.
  • أو الذهني.

تطبيق العهد على الحمد لله وصلاحية جميع أنواع الألف واللام فيها

حسنًا، هيا لنقول هكذا: العهد الذي بيني وبينك في "الحمد لله" هو لله وحده. هل يصح ذلك؟ يصح.

فيصبح الألف واللام يمكن أن تكون على كل هذه الأنواع معنا هنا في الحمد لله.

والحمد لله رب العالمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.