سورة الفاتحة | حـ 11 | آية 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 11 | آية 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • معنى "بسم الله الرحمن الرحيم" يتضمن مصاحبة اسم الله للعمل الذي نبدأه، كأننا نقول: أبدأ عملي مصاحباً اسم الله.
  • المصاحبة تجلب البركة، والبركة تعني النماء والزيادة والصلاح والتوفيق في الأمور.
  • كل أمر مهم لا يُبدأ بذكر اسم الله يكون أبتر ناقصاً لأنه يفتقد البركة.
  • اختيار أسماء "الله الرحمن الرحيم" له دلالة خاصة، إذ واجه الله خلقه بصفات الجمال والرحمة مكررة للتأكيد.
  • لفظ "الله" يدل على الذات الإلهية ويحمل خصائص فريدة، فإذا حذفت الألف بقي "لله"، وإذا حذفت اللام بقي "له"، وإذا حذفت اللام الثانية بقي "هو".
  • كلمة "اسم" قد تكون مشتقة من "السمو" بمعنى العلو، أو من "السماء" بمعنى العلامة.
  • الاسم يمثل هوية صاحبه وأشرف ما فيه، فهو كالعلامة المميزة له.
  • اسم الله دال على ذات الله الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

معنى الباء في البسملة وتعلقها بفعل مقدر

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق، ولقد ذكرنا قوله تعالى وهو يفتتح الكلام ويرسل الرسالة ويكلم البشر:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

والباء لابد أن تتعلق -أي ترتبط- بفعل، فكأنك تقول: اقرأ أو أبتدئ تلاوتي بسم الله.

فما معنى الباء؟ قالوا معناها المصاحبة، أي ماذا تعني؟ احذفها وضع مكانها كلمة المصاحبة أو ما يشتق منها، فنقول: اقرأ أو ابدأ مصاحبًا اسم الله. هذا معنى أن الحرف له معنى؛ فهي تعني أنك تأتي بالمعنى وتضعه مكان الحرف، فتجد أن الكلام استقام وأصبح له معنى.

المعنى الكامل للبسملة عند قولها في مختلف الأعمال

فمعنى قولك بسم الله الرحمن الرحيم يعني أنني اقرأ وأبدأ تلاوتي أو قراءتي أو أكلي أو شربي أو لبسي أو عقدي أو أي شيء حسب ما وضعتِ فيه بسم الله الرحمن الرحيم، مصاحبًا اسم الله.

لماذا تصاحب اسم الله؟ لماذا؟ قال قوم: تبرُّكًا؛ فأنت عندما تكون مع الله تحصل لك البركة. فأنت إما أن تكون مع الله وإما مع سواه.

ما رأيك لو خُيِّرت أن تكون مع الله أو تكون مع غيره؟ مع الله؛ لأن الله هو الرازق وهو الخالق وهو المحيي وهو المميت سبحانه وتعالى.

التبرك بالبسملة ومعنى البركة وأثرها في حياة المسلم

لكن هذه المصاحبة فيها بركة على كل حال، ولذلك نتبرك بها في ابتداء الكلام، فلا نبدأ إلا بـ بسم الله، أي أن الله مصاحبين لاسم الله من أجل أن نتبرك باسم الله سبحانه وتعالى فتحل علينا البركة.

والبركة هذه ما هي؟ قالوا البركة هي النماء، يعني التراب يصبح في يدك ذهبًا، يعني القليل من الطعام يشبعك. يعني عندما تتزوج وتقول بسم الله، يقوم الله بالمباركة في زوجتك، فتكون إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبتُ عنها حفظتك.

معنى البركة في الولادة وأثرها على صلاح الأبناء

ما معنى أن تقول المرأة بسم الله وهي تلد؟ يعني أن الولد لن يكون عاقًّا لها ولا لأبيه، وإنما يكون فيه بركة.

ما معنى البركة؟ يعني أن يكون بارًّا بأبويه، ويسير على نهج الله وطريق الله، ولا يكون شيطانًا مفسدًا في الأرض متعبًا لوالديه.

وهكذا تكون البركة شيءٌ مهمٌ قد نفتقده في كثيرٍ من المجالات بسبب العصيان؛ إلا يحدث في هذه المجالات يقول الناس: البركة لا تحصل.

معنى حصول البركة في حياة الناس وأمثلة عليها

ويقولون لك: لقد حصلت البركة. ما معنى حصلت البركة؟ تعني أنه بوجودك تم الصلح، أو بوجودك حدث النماء، أو بوجودك وُفِّق العمل، أو بوجودك صَلُحَ الحال، وهكذا هذا معنى حصول البركة.

قال النبي ﷺ: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع أجزم أبتر»

لماذا؟ لأنه لا توجد فيه بركة. فإذا فككنا حرف الباء ورفعناه لأنه من حروف المعاني، وأخذنا معناه نجده للمصاحبة.

وما فائدة المصاحبة؟ التبرك.

تركيب معنى البسملة الكامل من الباء والفعل المقدر والمصاحبة

فتكون العبارة كلها ماذا؟ لأنه حرف جر يوجد فيه فعل قدّرناه أقرأ مثلًا هنا أو أبتدئ، ولأنه له معنى يكون المصاحبة، ولأنه يجب المصاحبة في هذه الحالة مع اسم الله هي البركة، يكون هذا شيء مبارك.

فيكون معنى الكلام: أبدأ عملي هذا مصاحبًا اسم الله من أجل البركة. هذا هو معنى الكلام.

وكل هذا الكلام موجود أمامنا. قال: نعم موجود أمامنا، فلماذا إذن لسنا مستحضرينه في أذهاننا؟ لأننا لسنا مستحضرين العربية؛ فهذا كلام عربي، والعربي عندما كان يقول بسم الله الرحمن الرحيم يعني: أبدأ عملي هذا مصاحبًا اسم الله الرحمن الرحيم للبركة حتى تحدث البركة.

عجائب لفظ الجلالة الله وما يدل عليه عند حذف حروفه

واختار [الله سبحانه وتعالى في البسملة] ثلاثة ألفاظ كما قلنا: الله والرحمن والرحيم.

وذكرنا قبل ذلك الله؛ إنه عجيب غريب يدل بكُلِّه عليه سبحانه: تحذف الألف تبقى للّه، تحذف اللام تبقى لهُ، تحذف اللام الثانية تبقى هوُ، لا إله إلا هو.

والرحمن الرحيم كررها من أجل أن تعلم أن الله قد واجهك بصفات الجمال؛ لأنه لو قال الرحمن فقط تقول: ما هو، يمكن أن يكون منتقمًا، فقال لا: الرحمن والرحيم؛ لأنه في الثانية يمكن أن يقول المنتقم، لا يحدث شيء، لا، لم يقل ذلك.

سبب تكرار صفات الرحمة في البسملة دون صفات الجلال

فيقول: أعدتها مرتين، لماذا؟ قلنا له: ليس نحن الذين أعدنا، هذا ربنا قال الرحمن، الأصل أنه لا أحد من البشر يعرف أن يفعل هكذا، لا أحد.

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

هذه من عند ربنا، وبعد ذلك لم يسكت، قال الرحيم. الشخص لا يسكت هكذا وهو يتحدث: الرحمن، لا وكذلك الرحيم.

الله لماذا لم تأتِ بصفة من صفات الجلال؟ لأنه يواجه الخلق برسالة هي الرحمة في الرحمة.

اشتقاق كلمة اسم في اللغة العربية وأصولها المحتملة

حسنًا، كلمة اسم ما معناها؟ كلمة اسم مشتقة من أحد أصلين في اللغة العربية: إما أن تكون ترجع إلى جذر واحد -إلى أصل واحد- وإما أن ترجع إلى أصلين، وسنرى في القرآن معًا هكذا أشياء كثيرة مثل هذا، وعمق المعنى يختلف.

فـاسم هذه راجعة لأصل واحد أم أصلين؟ قال: لا، اختلفوا فيها، قالوا راجعة لأصلين، قد تكون لهذا وقد تكون لذاك، وهذا سعة القرآن.

جذور القرآن الكريم وعددها في معجم مجمع اللغة العربية

إنني عندما أجلب هذه الجذور، ففي القرآن ألف وثمانمائة وعشرة جذر. مجمع اللغة العربية أعدّ معجمًا للقرآن الكريم ذكر فيه -نحن قلنا كم؟ ألف وثمانمائة وعشرة- هو أورد ألف وسبعمائة وتسعين.

لماذا؟ لأنه أهمل الأعلام، يعني مثل سيدنا إبراهيم وإسماعيل ويونس، لم يوردهم. عندما تكمل الأعلام مع الألف وسبعمائة وتسعين يصبح عددهم كم؟ مائة وعشرة آلاف وثمانمائة وعشرة.

المعجم الخاص به [بمجمع اللغة العربية] موجود ومُعَدّ منذ زمن، أول إصدار له كان سنة اثنين وخمسين إلى أربعة وخمسين تقريبًا.

تعدد معاني الجذر الواحد واحتمال اشتقاق الكلمة من جذور مختلفة

لكنه يقول ماذا؟ إن هناك ألف وسبعمائة وتسعين جذرًا. قم بقراءة الجذور تجد أن الجذر يكون له معنى أو اثنان أو ثلاثة، ومن الممكن أن تكون الكلمة آتية من هذا الجذر أو آتية من جذر آخر، فهي ليست من هذا الجذر بالتحديد.

أما اسم، فمن أين أتى؟ قال: والله من الممكن أن يأتي من السمو. والسمو يعني العلو.

لماذا بالتحديد؟ قال: لأن اسم الإنسان أشرف شيء فيه، أكثر شيء يستعمله: تعال يا فلان، اذهب يا فلان، تعال يا فلان، وهو يكتب اسمه، هذا اسمك، هذا هو.

الاسم أعلى شيء في الإنسان وأهميته في الحفظ والتعريف

لدرجة أننا عندما نريد أن نمزح هكذا ونضحك، نقول: الله! لقد نسي اسمه! إنها أمر غريب وعجيب، يعني مدهش! كيف ينسى المرء اسمه؟ هذا اسمه بالذات!

يقول لك: الله! أنت حفظتها، حفظتها كما أحفظ اسمي، فهي محفوظة كاسمي، أي إنها شديدة الحفظ، كما نقول هكذا: إنه يحفظ القرآن كالفاتحة من شدة حفظه.

واسمه [أي لفظ "اسم"] مشتق من السمو والعلو؛ لأنه أعلى شيء في الإنسان.

إكرام اسم النبي محمد عند أهل المغرب وتعظيمه

وعندما أقوم بشتم شخص -والعياذ بالله تعالى- فأذكر اسمه وأشتمه، فماذا يكون ذلك؟ إنها إهانة له بهذا الشكل.

أننا ولذلك تجد الناس المغاربة في مراكش لا ينادون أبدًا الولد الذي سموه محمد بقولهم يا محمد، بل يقولون: سيدي محمد، حتى لو كان ابنه ويريد ضربه، يقول له: أهكذا تفعل يا سيدي محمد، ويضربه.

لماذا؟ لأن سيدنا محمد هو سيدنا محمد يا إخواننا! إذن من يكون سيدنا نحن؟ ما هو سيدنا ليس لنا سواه صلى الله عليه وسلم.

الأصل الثاني لكلمة اسم وهو السمة أي العلامة

قالوا: طيب، ومن أين قد تكون جاءت أيضًا؟ قالوا: والله ممكن تكون جاءت من السماء.

من السماء؟ يعني ماذا من السماء؟ العلامة! السمة هي العلامة. فيكون إذن قد تكون جاءت من السمو، وقد تكون جاءت من السمة؛ لأن اسم الإنسان هي العلامة الخاصة بك.

اسمك تمامًا مثل صورتك، فاسمك يشبه صورتك، عندما أذكر اسمك في المحافل تُعرف عند مَن يعرفك. وهكذا إذن، الاسم قد يكون مشتقًا من السمو، وقد يكون مشتقًا من السمة.

دلالة اسم الله على الذات الإلهية والفرق بين الخالق والمخلوق

اسم الله دالّ على الله، وكلمة الله هي اسم الله، هو الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد سبحانه وتعالى. رب مخالف لهذه الأكوان، فالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

أما لفظ الله الذي يخرج من أفواهنا فهو دالٌّ على الله سبحانه وتعالى، ولذلك نكتبه وننطقه وما إلى ذلك.

سأبدأ بذكر ماذا؟ بذكر اسم الله:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.