سورة البقرة | حـ 37 | آية 7 : 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 37 | آية 7 : 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • القرآن الكريم جعله الله هدى للمتقين، والعذاب في القرآن مستمد من العذوبة والألم معاً، فما جاء من العذوبة فيه رحمة، وما جاء من الألم فيه قهر وسلطان.
  • الله خلّل الألم بالرحمة، كالجمل الأجرب الذي يحك نفسه بالشجرة رغم الألم، فيفعل ذلك بنفسه لعلاج الجرب.
  • عندما يخوف الله الناس من المعصية يستعمل لغة تحمل دلالات نفسية عميقة، فالتخويف في القرآن معتبر ويوافق فطرة الإنسان.
  • لكنه تخويف من رحيم يقصد به التربية والخير، فلا يصدر من الله إلا الخير، وإن كان قد خلق الشر والخير ابتلاءً وامتحاناً للناس.
  • هناك من الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر، فيجيب عن سؤالي: من أين نحن؟ وإلى أين نحن بعد الموت؟
  • لكنهم لا يسألون السؤال الثالث: ماذا نفعل الآن؟ ولذلك قال الله عنهم: وما هم بمؤمنين.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس والتذكير بالهداية من كتاب الله سبحانه وتعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، عسى أنه نطلب منه الهداية، كما وصف الله ربنا سبحانه كتابه بذلك فجعله هدى للمتقين.

معنى العذاب بين العذوبة والألم ودلالته على الرحمة والقهر

ذكرنا بعض أمثلة الألم الذي يتخلله الرحمة، وهناك أمثلة أخرى، وجئت بي في مثل قوله تعالى:

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 7]

قلنا العذاب آتٍ من العذوبة وآتٍ من الألم. عذاب الله العظيم هذا الذي جاء من العذوبة فيه رحمة، والذي جاء من الألم فيه قهر وسلطان.

مثال الجمل الأجرب وكيف يتخلل الألم رحمة من الله تعالى

قال لك: الجمل الأجرب يُضرب [كمثال]؛ الجمل الأجرب حتى لا يتألم كثيرًا. الجمل عندما يكون أجرب ماذا يفعل؟ الجرب فإنه يؤلمه، ولكن يسبب له حكة، شيئًا كهذا يأكل جسمه، فيحتاج إلى أن يحك جسمه في نخلة، في شجرة؛ لأجل هذا الجرب الذي نحن نسميه في العامية المصرية "يهرش".

فتجد الجمل من هؤلاء واقفًا يحك نفسه في الشجرة حتى ينزف، ينزل منه الدم ويتألم، وتسمع بكاءه والدم نازل وهو مستمر، يبقى في ألم وألم شديد.

ولكن الله قد خلّل هذا الألم بالرحمة وجعله بالرغم من الألم الذي هو فيه، إلا أنه هو الذي يعمله، هو نفس الجمل هو الذي يقوم به، يريد أن يبقى [يحك جسمه رغم الألم].

الرد على من يظن أن القرآن كله عذاب وبيان حكمة التخويف الإلهي

إذا بعض ناس يقولون لك: الله! أنتم عندكم هكذا القرآن عذاب في عذاب في عذاب! ما هو غير فاهم شيئًا؛ لأن أول كلمة الرحمن الرحيم.

وعندما جاء الله سبحانه وتعالى يبين للناس ويخوفهم من المعصية ويردهم إلى سواء السبيل، وإلى عمارة الدنيا، وإلى عبادة الله، إذا به يستعمل لغة، هذه اللغة تدل على دلالات في النفس لا يمكن تحصيلها مع جهلها.

أهمية معرفة خصائص اللغة العربية لفهم دلالات القرآن الكريم

ولذلك كثير [من] العلماء يقولون لك: إن أصلك أنت جاهل باللغة العربية، قل له إذن أصبحت جاهلًا وأنا لا أعرف شيئًا على الإطلاق هكذا؟ لا، بل أنت جهلت هذه الخصائص [خصائص اللغة العربية].

هذه الخصائص يجب أن ترجع في النفوس مرة أخرى، وترى أن العين والذال والباء مادة تُستعمل للرحمة وتُستعمل للألم، فعندما يُعبَّر بها فهي تُستعمل للألم الرحيم، للألم الرحيم، ولا يمكن فكها؛ لأن المراد بها إنما هو التخويف والتنبيه والتحذير ومطالبة الإقلاع عن المعصية والتوبة والرجوع إلى الله. كل هذه معنى الوظائف التي نذكره بها لهذا.

التخويف القرآني تخويف من رحيم يقصد به التربية والخير

ولذلك يجب علينا ألا نتساهل ونقول له: بالمناسبة لا تخف فإن الله سيكون رحيمًا، هذه مثل وخزة الدبوس وإلا فلن يعمل وسيبقى كما هو. لا، هذا تخويف.

وهذا التخويف معتبر يوافق فطرة الإنسان، لكنه تخويف من رحيم يقصد به التربية؛ لأنه رب العالمين يقصد به الخير؛ لأنه لا يصدر منه إلا الخيرة سبحانه وتعالى.

وإن كان قد خلق الشر والخير فتنة للناس وامتحانًا واختبارًا، إلا أن الخير فيما اختار الله سبحانه وتعالى، وهكذا يجب أن نفهم كتاب ربنا سبحانه.

معنى من التبعيضية في قوله تعالى ومن الناس وسبب تسمية الناس والقلب

ومن الناس، ليس كل الناس بل بعض الناس، والحمد لله رب العالمين. ومن يقولون عليها تبعيضية، هذه "من" حروف المعاني، وحروف المعاني كل حرف له معانٍ مختلفة.

فـ"من" هذه نأتي واقفين أمامها ونفهم أنه بعض، يعني ما هي التبعيضية؟ يعني نزيلها ونضع مكانها "بعض"، وبعض الناس.

طيب، لماذا سُمّي الناس بهذا الاسم؟ قيل من النَّوْس وهو الحركة، أم من النسيان؟ لأن آدم أول من نسي. قيل: وما القلب إلا أنه يتقلب، وما أول الناس إلا أن أول الناس أول من نسي. من هو؟ سيدنا آدم.

فسُمّي إما لأنهم يتحركون وينشطون ويذهبون ويأتون، وإما لأنهم أولاد سيدنا آدم الذي نسي فنسيت ذريته. والقلب سُمّي قلبًا لأنه يتقلب من حال إلى حال، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

معنى ومن الناس من يقول والفرق بين القول والكلام في النفس

ومن الناس يعني بعض الناس وليس كل الناس، إذا هذه طائفة مخصوصة معينة ليست هي الأصل في الناس.

منهم من يقول، فيكون قد بدأنا إذن القول، وهذا القول يتم باللسان. الكلام قد يكون في النفس من الداخل وقد يكون على اللسان:

"إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا."

الذي في اللسان يصبح اسمه قولًا. ومن الناس من يقول فيكون قد استعمل اللسان، أما لو كان كلّم نفسه وقال في داخلها فيبقى هذا اسمه كلامًا.

إيمان المنافقين بالله واليوم الآخر وإجابتهم عن سؤالي الماضي والمستقبل

﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [البقرة: 8]

إذا آمن بالله فقد أجاب على السؤال الأول: من أين نحن؟ [أي سؤال عن الأصل والماضي]. إذا آمن باليوم الآخر فقد أجاب على السؤال الثاني: إلى أين نحن بعد الموت؟ [أي سؤال عن المستقبل].

سؤال عن الماضي، سؤال عن المستقبل، وهذا يدل على ماذا؟ على أنهم يسألون السؤال الثالث [وهو: ماذا نفعل في الحاضر؟]. هو يقول ماذا؟ آمنا بالله وباليوم الآخر.

تكذيب الله للمنافقين وبيان تهربهم من السؤال الثالث عن العمل

حسنًا:

﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]

ففي سؤال أول أجابوا عنه، وفي سؤال ثانٍ أجابوا عنه، كان ينبغي أن يسألوا السؤال الثالث لو كانوا صادقين: فماذا نفعل الآن؟ فيقول لك مثلًا: صلِّ وصُم ولا تسرق ولا تقتل ولا تُفسد واعمل كذا واعمل كذا.

لكنه لا يريد، لا أريد هذا العمل. إذا كان بهذا الشكل [أي الإيمان] أن في ربنا وفي يوم آخر، سهلة! ما هو قالوا للحرامي: احلف، فحلف. قال: احلف كثيرًا، فما ليس هناك تكليف [عندهم].

فقال: وما هم بمؤمنين، وما هم ليسوا [بمؤمنين حقيقة]. يعني مثل ماذا؟ أنت جئت بي في الإجابة عن الماضي، طيب. ربنا [موجود]، في المستقبل [يوم آخر]. ما هو الماضي والمستقبل؟ ما نحن عائشون فيه [هو الحاضر]! الماضي مضى والمستقبل لم يأتِ بعد، سهل يا عم، انتهى، سهل!

ولكن هؤلاء ربنا قال:

﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.