سورة البقرة | حـ 48 | آية 21 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •"يا أيها" تستخدم "يا" للنداء و"ها" للتنبيه، وهي من أساليب العرب في الخطاب.
- •القرآن كتاب هداية وبيان، لا كتاب جدال أو علم، فهو يبين الحقيقة دون الدخول في مهاجمة أو رد.
- •"لعل" في القرآن تأتي بمعاني متعددة، وقد تعني "لكي" وقد تعني اليقين، وهذا يتوافق مع حال الناس المختلفة.
- •اللغة العربية تتميز بخصائص فريدة جعلتها الأنسب لحمل معاني القرآن، ومن لم يعرفها حُجب عن هداية الكتاب.
- •من خصائص العربية الاشتقاق الأكبر، حيث تحمل الكلمة معنى أصلياً مع تقلب حروفها.
- •الكلمة العربية قد تحمل معاني متعددة في آن واحد حسب مراتب المتلقين.
- •في العربية تتحول الواو إلى تاء في أول بعض الكلمات مثل: وقاية أصبحت تقاة، ووجاه أصبحت اتجاه، ووراث أصبحت تراث.
- •"الذي" اسم موصول يأتي بعد المعرفة ويقع صفة لها، مثل "ربكم الذي جعل لكم الأرض فراشا".
شرح حرف النداء يا ودخول هاء التنبيه بدلاً من الياء الثانية
«يا أيها»، «يا» هذه تسمى حرف النداء، «يا» أداة من الأدوات. «أيّ» هو [الاسم الموصول بعد حرف النداء]، كانوا يريدون أن يأتوا بياء ثانية في «أيّ» هذه، فقالوا تثقل وتنقطع المسألة؛ «يا أيِّي الناس» تفعل هكذا، ثقيلة.
العرب نزيهة وحلوة وجميلة [في لغتها]، فذهبوا بدلًا من الياء ذهبوا يأتون بهاء للتنبيه. «ها أنا ذا»، إذن كلمة «ها» — «ها أنا»، «ها» هذه للتنبيه الذي نجده في ماذا؟ «هذا»، «هذه» للتنبيه.
القرآن كتاب هداية وبيان لا كتاب جدال مع الآخرين
فالله سبحانه وتعالى لا يدخل في جدال مع الآخرين، هذا الكتاب [القرآن الكريم] ليس كلام علم [فحسب]، إنه كلام القرآن، كتاب هداية للبيان. وانتبه أن هذا بيان للناس وليس للجدال.
فهناك ثلاث حالات وهي: أنني أبيّن لك، أنا أردّ عليك، وأنا أهاجمك. قال لك: هذا للبيان، لا أهاجمك ولا أردّ عليك أصلًا، أنا أبيّن لك الحقيقة فقط.
من ضمن بيان الحقيقة أنني أبيّن لك عيوبك، ومن ضمن بيانها أنني لا أدخل في جدال معك، أنا أبيّن لك حقيقة. من المبيّن هنا؟ الله [سبحانه وتعالى]. ومن هنا جاءت عظمة القرآن، وجاءت علوّ هذه الكلمات الربانية التي أنعم الله علينا بها، والحمد لله رب العالمين.
معنى لعل في القرآن وهل تفيد الترجي أم التحقيق
الذي جعل لكم [من قوله تعالى في سورة البقرة]، لا يقول هنا ماذا؟ «لعلكم تتقون»، «لعلكم».
هل «لعل» هنا تعني «لكي» — يمكن أن تتقوا — أم أنكم ستتقون حتمًا؟ تصلح هذه وتصلح هذه، حسنًا، وتصلح هذه وتصلح هذه، باعتبار ماذا؟ قال: الناس؛ منهم من إذا فعل ذلك فقد يهديه الله ويتقي، ومنهم من إذا فعل ذلك فسيتقي حتمًا. يختلف الناس [في مراتب استجابتهم].
عبقرية اللغة العربية وقدرتها الفريدة على حمل معاني كلام الله
اللغة العربية عبقرية، وكأنه ليست هناك لغة قادرة على تحمّل معاني كلام الله إلا اللغة العربية. «لعل» هذا يقول لك: لماذا نزل القرآن بالعربية؟ لأنها اللغة التي فيها تلك الأسرار التي تمكّن من هذا الأداء والبلاغة، والتي لا يمكن في لغة أخرى أن يكون فيها هذا.
ليس في لغة أخرى إطلاقًا كل هذه الخصائص التي في العربية. الاشتقاق الأكبر هذا الذي تحدثنا عنه، وهو أن الكلمة لها معنى ومهما قلّبت حروفها فإن ذات المعنى يكون موجودًا فيها، لا وجود لها [لهذه الخاصية] في العالم.
تعدد معاني الكلمة العربية الواحدة باعتبار مراتب المتلقين
كون الكلمة يصبح لها معنى واثنان وثلاثة وأربعة، ثم إنها تعني كل ذلك في وقت واحد باعتبار مراتب المتلقين، لا وجود له في العالم.
ولذلك من لم يعرف العربية كان جهله هذا حجابًا بينه وبين هداية الكتاب [القرآن الكريم]، فلو أمسك به وفسّره أو تعامل معه لاعبًا وهازلًا أغلق القرآن نفسه منه، وانضمّ وأصبح حسرة عليه وعلى طريقته.
تعدد معاني لعلكم تشكرون وتتقون وتذكرون في القرآن الكريم
إذن «لعلكم تشكرون» و**«لعلكم تتقون»** و**«لعلكم تذكّرون»** كلها فيها معانٍ متعددة.
هل تُحمل على واحد أم تُحمل على الكل؟ أوجه في التفسير [أي تُحمل على جميع المعاني]، والحمد لله رب العالمين.
أصل كلمة التقوى من وقى وتحول الواو إلى تاء في العربية
والتقوى — تقوى — يقول لك: هذا أصلها من «وقى»، وصارت الواو وهي في أول الكلمة تاءً.
ثم قالوا: هل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. والوِجاه جاءت من أين؟ من الوجه، أصبحت ماذا؟ اتجاه. والوِراث يعني جاءت من الوراثة، انتقال الإرث من جيل إلى جيل، فأصبحت ماذا؟ تراث.
الوِراث أصبح التراث، الوِجاه أصبح الاتجاه، ووقاية — «وقى» — أصبحت ماذا؟ تقوى، تُقاة.
﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ [آل عمران: 28]
تُقاة ووقى يعني تُقاه هذه، ووِجاه وتراث، تبحث عنها أين؟ في تراث وفي وِجاه وفي تقى. ففي كلمات في العربية هكذا تتحول الواو إذا ما وقعت في أول الكلمة إلى تاء.
إعراب الذي جعل لكم الأرض فراشاً وبيان معنى ربكم المعرفة
﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا﴾ [البقرة: 22]
هو سبحانه وتعالى: اعبدوا ربكم الذي. و**«ربكم»** هذه معرفة أم نكرة؟ المعرفة؛ لأنها مضاف ومضاف إليه، والإضافة تُعرِّف.
قال: يبقى «الذي» ما هو؟ قال: صفة له [لربكم]. ما هو هذا؟ اسم الموصول يأتي بعد المعرفة فيقع صفة له.
«ربكم الذي جعل لكم» يعني خلق لكم، ها هي معنا: خلق لكم، جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً.
ختام الحلقة والتوديع بالسلام ورحمة الله وبركاته
وإلى حلقة أخرى نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
