سورة البقرة | حـ 57 | آية 25 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية "وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار" تمثل الترغيب بالعمل الصالح وجزائه الجنة.
- •الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار يؤثر في سلوك المؤمن، فمن لا يؤمن بذلك لا يوجد ما يمنعه من الإفساد في الأرض.
- •الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يخاف الله ويطمع في وجهه الكريم، أما غير المؤمن فلا يخاف أحداً.
- •حتى بعض الملحدين اعترفوا بأن "الله ضرورة اجتماعية" لضبط المجتمع.
- •الجنة ليست واحدة بل جنات متعددة، لكل مؤمن جنة خاصة به.
- •أقل منزلة في الجنة سيكون له ملك يعادل عشرة أضعاف الأرض.
- •الجنات متدرجة في الارتفاع حتى الفردوس الأعلى الذي سقفه عرش الرحمن.
- •أنهار الجنة تجري بلا حواف ولا تختلط ببعضها (ماء، عسل، لبن) دون جاذبية.
- •الوقف الصحيح في قراءة الآية عند "تجري من تحتها الأنهار" وليس عند "تجري" فقط.
افتتاح الدرس وبيان آية البشرى للمؤمنين في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع قوله في سورة البقرة:
﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [البقرة: 25]
ففيه بشرى للمؤمنين في مقابل التحذير لغير المؤمنين؛ فالآية التي قبلها:
﴿فَٱتَّقُوا ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 24]
ثم قال:
﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 25]
وهذا هو أسلوب الترغيب والترهيب؛ الترغيب في العمل الصالح وجزاؤه الجنة، والترهيب من العمل السيء وجزاؤه النار. أُمِرنا أن نتقي النار، وأُمِرنا أن نُعِدَّ العُدَّة للجنة.
أثر الإيمان باليوم الآخر في سلوك الإنسان ومنعه من الفساد
وهذا [الإيمان بالجنة والنار] يؤثر في سلوك المؤمن؛ فمن لم يؤمن بيوم القيامة ولا بجنة ولا بنار ولا بتكليف، ما الذي يمنعه أن يُفسد في الأرض؟ لا شيء.
ما الذي يجعل هذا القوي لا يتسلط على الضعيف؟ لا شيء. ما الذي يجعل أمة لا تستعمر أمة أخرى كما استعمرونا في بلادنا وأخذوا خيراتنا فبنوا بها مُدُنَهم؟ لا شيء.
ما الذي يجعل أحدهم يتمتع بالحاضر دون نظر إلى المستقبل فيُفسد ما حولنا من بيئة دون نظر لمن بعدنا؟ ما الذي يجعل أحدهم يُفرِّط في مكسب يكسبه من أجل الآخرين؟ ما الذي يجعله يفعل هذا؟ قد يُقال: المجد، ومن الذي يُدريه أنه سينال المجد؟ لا شيء في الحقيقة.
الإلحاد الأسود وأثره في إفساد الأرض والاقتصار على المصلحة العاجلة
ولذلك نرى أن الإلحاد الأسود مرفوض من أغلب البشر، لكن أصحاب الإلحاد الأسود الذين يُنكرون الإله ويُنكرون الوحي ويُنكرون الجنة والنار ويُنكرون [البعث والحساب]، أصحابه لا يزالون يسعون في الأرض فسادًا ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وكل ذهنهم قائم على العاجلة والمصلحة فقط لا غير.
هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن؛ المؤمن يخاف الله ويطمع في وجهه الكريم، غير المؤمن هو لا يخاف أحدًا، والذي يستطيع أن يفعله سيفعله.
قصة الملحد الذي أقرّ بأن الله ضرورة اجتماعية قبل وفاته
إذن هذا الدين مُهِمٌّ جدًّا. واحد من الملحدين الكبار تنبَّه قبل وفاته لهذه الحقيقة؛ واحد من الملحدين أخذ نفسه هكذا وفكَّر: يا الله، طيب، وهذا العالم ما الذي يجعله لا يفعل الخطأ ويُضيِّع الدنيا؟ لا يوجد شيء.
فذهب، ماذا قال قبل أن يموت؟ قال: الله ضرورة اجتماعية. يعني هو الملحد هذا غير مؤمن بالله، لكن [رأى أنه] يجب أن نقول للناس إن هناك ربنا.
ماذا كان مشايخنا يقولون عن هذا القول [الله ضرورة اجتماعية]؟ يعني يجب أن يكون هناك ربنا، وإذا اعتقدتَ في قلبك أيها الملحد أنه ليس هناك ربنا، يجب أن تقول إن هناك ربًّا.
معنى أن الله قهر الملحد فلا يستطيع الخروج من الإيمان به
فكنتُ أقول لهم [لمشايخي]: الله، كيف يعني أن يقول أحد هكذا؟ فيقولون: ربنا قهره. ربنا قهره، لا يعرف كيف يخرج من تحت سماه [سمائه]، لا يعرف كيف يخرج من الإيمان بالله، لا يعرف.
فحكاية «ربنا قهره» هذه مسألة مهمة نراها بأعيننا.
قصة المفطر في رمضان الذي قهره جو رمضان فانتظر المدفع
كان عندنا شخص مُفطِر في رمضان، هو مسلم، وذات مرة وأنا هكذا ماشيًا فوجدتُه قد وضع صينية البطاطس وينتظر المدفع، وهو مُفطِر! أنا أراه يُدخِّن طوال النهار ذاهبًا آتيًا بالقرب مني يُدخِّن.
فوضع صينية البطاطس وأولاده حوله، فالبنت الصغيرة مدَّت يديها لبطاطسة من الصينية وأخذتها وأكلتها، فضربها! لا، لم يضرب المدفع بعد! لم يضرب المدفع بعد!
فسألتُ شيخنا: ما هذا؟ حكيتُ له الحكاية، فقال لي: قهره رمضان. ها، هناك [في قصة الملحد] يقول لي: ما هو قهره الله، وهنا قهره رمضان. يعني جوّ رمضان سيطر عليه لدرجة أنه عرف أنه يجب أن ينتظر المدفع وهو مُفطِر، ويضرب يد الفتاة الصغيرة التي لم يُفرَض عليها الصيام بعد، لم يضرب المدفع بعد يا فتاة!
فسبحان الله، هذا رجل ملحد [يقول الله ضرورة اجتماعية] ولم يتربَّ عندنا، وهذا [المفطر المسلم قهره رمضان]. لأجل أن يقول أحدهم، ومَن هو؟ هكسلي، هو الذي يقول هكذا: الله ضرورة اجتماعية.
اقتران الإيمان بالعمل الصالح والبشرى بالجنات المتعددة
طيب، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ودائمًا الإيمان مع العمل الصالح. سنبشِّرهم بماذا؟ أن لهم جنات.
هل هي جنة واحدة أم جنات؟ قال: لا، هي جنة واحدة كفكرة الثواب؛ هناك جنة وهناك نار، يعني في [هناك] ثواب وفي [هناك] عقاب. فعندما تدخل الجنة هذه التي عرضها السماوات والأرض، هذا شيء عظيم جدًّا.
فهو يقول لك إن أقل واحد منا سيدخلها له مُلك الأرض عشر مرات. هذا أقل واحد، هذا الذي هو ضائع تمامًا، الذي ضائع تمامًا، له ماذا؟ له قدر عشرة أمثال الكرة الأرضية، إذا ضربتَها في عشرة فذلك هو مُلكك.
تصوير سعة الجنة وضيق الدنيا مقارنة بملك فرعون
فماذا أفعل أنا إذن في هذه الجنة؟ هذه جنة واسعة جدًّا، ونحن نسكن في متر واحد في متر واحد، ولكن عندما يأتي ليُعطيني الأرض كلها، تخيَّل أنت إذن أن هذه الأرض مُلكك.
بل دعك من هذا، وتخيَّل أن مصر هذه مُلكك. أليس لي مُلك مصر؟ فرعون يقولون هكذا. هذا فرعون تكبَّر عندما أحسَّ أنه مالك لمصر هذه، يملك النيل والزراعة وما إلى ذلك، جُنَّ فقال:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
جُنَّ، لماذا؟ لأنه شعر أنه يمتلك هذه الأرض ويمتلك هذا الزرع ويمتلك هذا الضرع ويمتلك هذا النيل، فقال:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
العبرة من قصة فرعون وتخيل سعة ملك الجنة للمؤمن
كذلك بعضهم يأتي، نحن نأخذ العبرة. فبعضهم يقول لك: لا، هو فرعون قال أنا ربكم الأعلى لأن هذه كانت عقيدة وكانت أديانًا، ويتفلسف. نحن نتجاوز هذه الفلسفة ونأخذ الموعظة من ورائها: شخص شعر بالمُلك وادَّعى الألوهية.
حسنًا، لا بأس بذلك. تخيَّل الآن أن الأرض كلها مُلكك، تخيَّل أن هناك عشرة من أمثالها. فقال لك: هذه جنات؛ لأن كل واحد له جنة، ولو مشيتَ بجسدك هذا وبقدرتك لا تستطيع أن تُنهي جنتك أنت.
رحلة ابن بطوطة دليل على سعة الجنة التي لا تُستوعب
يعني لو أحدٌ أحبَّ [أن يطوف جنته]، كان عندنا أحد قديمًا اسمه ابن بطوطة. ابن بطوطة هذا خرج من الأندلس من المغرب وظلَّ حتى ذهب إلى الشرق وذهب إلى جزر المالديف وعاد مرة أخرى، فاستغرقت رحلته أكثر من عشرين سنة.
هذا فقط شيء بسيط كهذا فقط! تخيَّل أنك أنت طُفتَ الأرض كلها، تستغرق لك كم سنة؟ تخيَّل أنها عشرة [أمثالها]، تستطيع أن تفعل ماذا؟
فهي جنات، كل واحد له جنة، وأصغر جنة في المساحة عشرة أضعاف مُلك الأرض.
تدرج درجات الجنة في الارتفاع حتى الفردوس الأعلى وسقفه العرش
وهذه الجنات مختلفة الارتفاع؛ فبعضها أعلى من بعض إلى الفردوس الأعلى. كلمة «أعلى» تعني ماذا؟ تعني أنها متدرجة حتى الفردوس الأعلى؛ أَفعَل تفضيل في ارتفاع، أكثر من ارتفاع، أكثر من ارتفاع، فتكون متدرجة هكذا.
حسنًا، وسقف الفردوس الأعلى هذا ما هو؟ قال لك: هذا العرش.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الله الفردوس الأعلى، ونحن ندعو له بذلك أيضًا. وإن كان هو صاحب الفردوس الأعلى بلا شك، ولكن الدعاء عبادة من العبادات هكذا، والدعاء هذا فيه شكر لله أن جعل نبينا أفضل نبي وأعلى نبي، وأن جعل لنبينا الفردوس الأعلى.
وصف أنهار الجنة وانعدام الجاذبية فيها وعدم اختلاط مياهها
﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [البقرة: 25]
أنهار الجنة تظهر، والله أعلم، الجنة ما فيها جاذبية. النهر ما له حوافّ كما ورد في الأحاديث؛ مياه قائمة هكذا وسائرة. هذا نهر مياه، هذا نهر عسل، هذا نهر لبن، وداخلة في بعضها البعض، لا يختلط بعضها ببعض ولا تتساقط، ما تتساقط.
إذن ما فيها جاذبية؛ لأن نحن في النهر الخاص بالدنيا نحتاج إليه [أي إلى الحواف] بسبب الجاذبية.
أهمية الوقف الصحيح عند تلاوة تجري من تحتها الأنهار
فـ «تجري من تحتها الأنهار» عبارة ستجدونها كثيرًا في القرآن. وكان مشايخنا في التلاوة يرفضون أن نقف عند «تجري»؛ [فلا يصح أن نقول]: «أن لهم جنات تجري»، الجنات لا تجري! هذه «تجري من تحتها الأنهار».
أيضًا [هذا] جزء مهم في الوقف؛ لأن الوقف هو وليد المعنى.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
