سورة البقرة | حـ 44 | آية 17 : 18 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يضرب الله مثلاً للمنافقين بمن استوقد ناراً فأضاءت ما حوله ثم ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات.
- •استيقاد النار يدل على الحاجة، فالنار مهمة للإضاءة والتدفئة والطهي وإرسال الرسائل.
- •المنافق عرف حلاوة الإيمان ثم حُرم منه، فحسرته أشد ممن لم يجرب الإيمان أصلاً.
- •المثال يوضح جانباً واحداً من حال المنافقين وليس كل الجوانب، فالقاعدة أن "المثال لا يُبحث فيه".
- •وصف الله المنافقين بأنهم "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" أي فقدوا السمع والنطق والبصر.
- •عدم رجوعهم مسبب بعدم إدراكهم، فهم لا يرجعون لأنهم لا يشعرون ولا يعلمون.
- •علاج النفاق يكون بالتعليم، فإذا أدرك المنافق الحقيقة لعله يرجع عن نفاقه.
- •مرض القلب يحول دون وصول المنافق إلى المعرفة الصحيحة وحواسه معطلة عن إدراك الحق.
مقدمة الدرس وبداية تفسير مثل المنافقين في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق في سورة البقرة، والله سبحانه وتعالى يضرب مثلًا بشأن المنافقين فيقول:
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17]
أي مثل هؤلاء المنافقين، والكاف هنا تأتي للتشبيه، كمثل يعني مثل مثل، الكاف هنا للتشبيه.
معنى الاستيقاد ودلالة الألف والسين والتاء على الطلب والحاجة
كمثل الذي استوقد نارًا، الألف والسين والتاء تدخل لأجل الطلب، حفظناها هذه من أيام الاستهزاء ويستهزئون وغيرها، فالألف والسين والتاء تدخل للطلب. فيكون معناه أنه طلب أن يوقد نارًا.
حسنًا، شخص يريد أن يوقد نارًا، أيكون له مصلحة أم ليس له؟ أم أنه عبث أم جاءت معه هكذا؟ لا، بل يكون له مصلحة.
والألف والسين والتاء التي تقتضي الطلب يدل ذلك على الحاجة، وما لا يدل يدل على الحاجة، فيكون إذا هو وهو يستوقد النار إنما استوقدها من أجل حاجة أرادها.
والحاجة هذه معناها ماذا؟ خلة ينبغي أن تُسد، يعني حاجة عندي، يعني محتاج أن أسد هذا [النقص]، فاحتاج إلى الأكل واحتاج إلى الشرب وأحتاج إلى النوم وأحتاج إلى وإلى وإلى من احتياجات الحياة، فأريد أن أسد جوعتي وأن أروي ظمئي وأن أفعل كذا وكذا.
فوائد النار المتعددة من الإنارة والتدفئة وإنضاج الطعام والاستنجاد
والنار هذه، لماذا نريدها؟ قال: تنير في الليل، نستطيع أن ننضج عليها الطعام، نستطيع أن نتدفأ بها في الشتاء، نستطيع أن نجعلها دليلًا لنا بحيث أن البعيد يراني فيأتي إما للضيافة وإما لهداية الطريق، وإما أنني أنا نفسي أريد شخصًا ينقذني.
فعندما يرى الناس النار أعمل [بها ذلك]، ولذلك كانت هناك شعوب كثيرة تستخدم الدخان في الرسائل [كوسيلة للتواصل عبر] النار.
الله، إذن هذه النار مهمة لأن فيها دفئًا ولأن فيها نورًا ولأن فيها مصالح مختلفة.
قصة سيدنا موسى مع النار في الوادي المقدس وعلاقتها بالمثل القرآني
أتذكرون سيدنا موسى عندما جاءه [نداء ربه] في الوادي المقدس طوى؟ فشاهد نارًا فذهب إليها وأخذ منها غزوة وأخذ منها قبسًا وأخذ منها كذا إلى آخره، لكنها كانت دالة عليه؛ هو يريد أن يأخذ منها هذا [النفع]، فلما أتاها وجدها شيئًا آخر.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17]
يعني طلب أن توقد له نار أو طلب أن يحصل نارًا. هذا لحاجة أم لا؟ لحاجة.
إضاءة النار وتحقق المعرفة بالرؤية ثم بيان فائدة النور
فلما أضاءت ما حوله، الله، لقد أخذ جزءًا من منافعها وهي الإضاءة، يعني النار أنارت فعلًا ورأى نورها عندما أضاءت، والنور ينعكس على الأشياء فيظهرها للعين البشرية.
رأى، والرؤية هذه التي تمت بعينه أهي معرفة أم جهل؟ إنها معرفة، سيكون رائيًا الشجرة شجرة والحجر الحجر هو الحجر، والبئر هي البئر، وهو يعرف ما حوله.
لأنه لو مشى في الظلام دون أن يعرف لاصطدم بالشجرة وسقط في البئر وكُسرت رِجله. إذن المقصود قد تم وبدأت الفائدة تتحقق لهذا الإيقاد.
ذهاب الله بنور المنافقين وسلب الفوائد بعد تذوقها
ذهب الله بنورهم، انطفأت النار، أي عرفت حلاوتها وسُحبت مني، بمعنى أنني عرفت شيئًا من فوائدها وبقية الفوائد سُحبت مني.
فلن أستطيع أن أشوي عليها قطعة لحم، ولن أستطيع أن أتدفأ بها، ولن أستطيع أن أرسل رسالة أستنجد بها، ولن أستطيع [الانتفاع بشيء منها].
وحتى النور الذي رأيته بعيني، حتى النور وهو الإيمان الذي رأيته بعيني ولامس قلبي أول ما لمس، حتى هذا أيضًا ضاع؛ سيكون حسرته أشد.
حسرة المنافق الذي ذاق حلاوة الإيمان ثم فقدها كمن أُعطي شيئاً ثم سُحب منه
أتعلم لو لم تكن قد أنارت تمامًا هو في الظلمة، في الظلمة وانتهى الأمر، لكن هذا نور [أضاء ثم انطفأ].
وكما يقولون في العامية "حَنْسَة"، حَنْسَة ماذا يعني ذلك؟ يعني أعطاه شيئًا ثم سحبه منه مرة أخرى. نقول: يا الله، أأنت تحنسني أم ماذا؟
وإن الذي يتعرض للحنس هذا يُقال إنه يشعر بحسرة شديدة؛ لأن الذي جرّب ليس كالذي لم يجرب.
قصة الأمير الذي يدفن الطعام خوفاً من أن يتذوقه الفقراء فيعتادوا عليه
كان أحد الأمراء في الأسرة المالكة السابقة يقيم حفلة، ثم يحفر حفرة كبيرة ويضع فيها كريم الشانتيه والمارون جلاسيه المتبقي من الحفلة ويردمه، فهو لا يرضى أن يترك الفلاحين يأكلونه.
فسألوه: لماذا تفعل ذلك يا سمو الأمير؟ فأجاب: لو تذوقوه لن يتركونا وشأننا. ألقوا هذه الأشياء الجميلة، ولكن ماذا لو اعتادوا عليها وأصبحنا نحن قد أفسدناهم؟ لن نستطيع أن نأتي لهم بمثلها في المستقبل.
وبالطبع هذا منطق مرفوض؛ لأننا كما قال تعالى:
﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9]
فهذا منهج معوج.
الفرق بين الكافر والمنافق في تجربة حلاوة الإيمان وشدة حسرة المنافق
أما من أين يأتي المنهج المعوج؟ من فكرة أن من جرَّب شيئًا وحُرم منه عزَّ عليه ذلك. هذه فكرة صحيحة، لكنها لا تصلح في قضية الإطعام؛ قضية الإطعام هذه يجب أن تكون لوجه الله.
فهنا أنت، أيها الكافر، للأسف لم تر الإيمان، ولم تسمعه، ولم تطَّلع عليه، ولم تجربه، ولم ترَ حلاوته لا من قريب ولا من بعيد ولا أي فائدة من فوائد [الإيمان].
لكن أنت منافق، بعد أن تسمع الإيمان وبعد أن توافق عليه بلسانك وبعد أن تختلط مع جماعة المؤمنين وبعد أن ترى أثر هذه الحلاوة في قلوب الناس، تأتي بنفسك آخذًا نفسك من نفاقك فيُطفأ عليك النور فتكون أشد حسرة لفقدك هذا الذي جربت.
تأكيد القرآن أن حال المنافقين أشد من مثال النار بوصفهم صم بكم عمي
فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
ثم يؤكد [الله سبحانه وتعالى] أن هذا الكلام لا يتعلق بمثال النار، إنما النار ذُكرت لفائدة وهي أنها أنارت فطُفئت. إنما الذي هو في حال المنافقين أشد وأنكى، فقال:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18]
نحن في [مثال] النار في ظلمات لا يبصرون، أي سُلِبَ منهم البصر فقط، لكن من الممكن أن يتحسس بيديه، ومن الممكن أن يسمع بأذنه، ومن الممكن أن يتصل بما حوله ولو كان في الظلام.
حقيقة المنافق سلب الإدراك تماماً وقاعدة أن المثال لا يُبحث فيه
أما حقيقة المنافق فهي أنه سُلِبَ الإدراك تمامًا. فهذا المثال ليس على حقيقته، إنما هو لضرب المثل بالانسحاب فقط وليس بجهات الانسحاب. فعندما سحَبَ منهم، سحَبَ منهم الأبصار، لكن في قضية النار لا [يقتصر الأمر على ذلك]. أما المنافقون فهم أشد مما مُثِّل بهم.
ولذلك قالوا: الرجال لا تقف عند المثال. ممنوع البحث في المثال؛ في آداب البحث والمناظرة وضعوا قاعدة اسمها: المثال لا يُبحث فيه. هذا المثال لضرب جهة واحدة من الجهات وليس تمام الحاصل.
وصف المنافقين بالصمم والبكم والعمى وسبب عدم رجوعهم عن النفاق
استكمالًا لكمال الحاصل، ماذا نفعل؟ ذهب [الله تعالى] وصفهم ابتداءً، فأصبحوا:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18]
عندما قال صُمٌّ أي فقدوا السمع، ثم بُكْمٌ أي لا يتكلمون وأصبحوا خرسًا، عُمْيٌ أي لا يبصرون. وبعد ذلك قال - فجاء بالفاء هنا - فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ.
من أجل ذلك انظر إلى رحمة ربنا، فعدم رجوعهم هو بسبب حالتهم تلك؛ مُسبَّب بعدم الإدراك.
سبيل هداية المنافق بالتعليم والإدراك لعله يرجع عن نفاقه
فعندما آتي بشخص منافق وأريد هدايته إلى الله، ماذا أفعل به؟ قال: علِّمه، علِّمه؛ لأنه عندما يدرك لعله يرجع.
لماذا هو غير راضٍ بالرجوع؟ لأنه لا يعلم، لأنه لا يشعر. وقد وُصِفوا بعدم الشعور، ووُصِفوا بمرض القلب الذي يحول دون الوصول إلى المعرفة الصحيحة، ووُصِف [المنافق] بعدم العلم، ووصفوه بأن هذه الحواس معطلة.
فإذا احتلنا بصورة أو بأخرى فأعلمناه وجعلناه مدركًا، لعله أن يرجع عن نفاقه.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
