سورة البقرة | حـ 43 | آية 16 : 17 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 43 | آية 16 : 17 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • صفات الله تعالى الواردة في القرآن على سبيل المقابلة تسمى المشاكلة في البلاغة، مثل "الله يستهزئ بهم" و"مكروا ومكر الله".
  • لا يجوز أخذ هذه الصفات كأسماء مستقلة لله تعالى، فلا نقول إن الله ماكر أو خادع أو مستهزئ.
  • شروط أسماء الله: أن ترد صريحة أو بمادتها، ألا توهم نقصاً، وأن تكون في جانب الصفات.
  • الاسم علم على ذات الله، والصفة قائمة بالذات كالرحمن والرحيم.
  • العمى نوعان: عمى البصر لا يناقض النبوة، كما حدث ليعقوب عليه السلام، وعمى البصيرة وهو عمى القلب.
  • الصمم يناقض النبوة لتعارضه مع وظيفة التبليغ، فلا يوجد نبي أصم.
  • يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته، كما في حديث الأعمى الذي رد الله بصره.
  • الباء تدخل على المتروك غالباً، كقوله تعالى: "اشتروا الضلالة بالهدى" أي تركوا الهدى وأخذوا الضلالة.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية وصف المنافقين في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات، مع قوله تعالى في سورة البقرة وهو يصف حال المنافقين، بعدما بيّن أنهم:

﴿وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]

﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]

أسلوب المشاكلة في القرآن وصفات الله الواردة على سبيل المقابلة

هناك صفات لله سبحانه وتعالى وردت في القرآن الكريم على سبيل المقابلة، ويسميها أهل البلاغة المشاكلة.

تعني ماذا؟ تعني المقابلة. هذه المقابلة لا يجوز أن نأخذ منها اسمًا من أسمائه تعالى بصورة مستقلة.

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]

لا نستطيع أن نقول إن الله ماكر أبدًا.

﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]

لا نستطيع أن نقول إن الله خادع أبدًا.

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 14-15]

لا يجوز أن نقول إن الله مستهزئ أبدًا. هذا أسلوب عربي يُسمى المشاكلة.

شرح المشاكلة بالأمثلة القرآنية وبيان معنى المقابلة في العقوبة

ذُكر [هذا الأسلوب] في مقابلة، كقوله تعالى:

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

هل العقاب سيئة؟ لا، فلماذا سُمّي سيئة إذن؟ لأنه كان في مقابلة سيئة.

أقول له: أنت تؤذي الناس فأنا سأؤذيك، أقول له: أنت أسأت إلى الخلق فأنا سأسيء إليك. أنت خدعت الخلق ولذلك ستقع في مثل ذلك فتُخدع، أنت مكرت بهم فيُمكر بك، أنت استهزأت بهم فأجعلك هُزُؤًا.

ولكن هذه [الصفات الواردة على سبيل المشاكلة] لا يمكن أن تستقل [بأن تُؤخذ منها أسماء لله تعالى].

شروط اشتقاق أسماء الله تعالى من القرآن الكريم ورود المادة صريحة أو تلميحا

نحن لدينا في أسماء الله شروط:

الشرط الأول: إما أن يرد الاسم بصريحه، وإما أن يرد بمادته [أي بالفعل المنسوب إلى الله].

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]

وانتبه:

﴿فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]

«يحبهم فيحبونه»، «يحبهم» هذه ليس من الممكن أن نجلب منها «حبيبًا»، إن ربنا حبيب.

هل يمكن [أن نشتق اسم "حبيب" لله]؟ قال: يمكن.

هل يمكن أن نقول "ناصر"؟ قال: يمكن أن نقول ناصر.

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]

الفرق بين الأسماء الصريحة والتلميحية لله تعالى في القرآن الكريم

طيب، إذن أول شرط أن المادة ترد إما صريحًا وإما تلميحًا. الصريح عندنا يمكن مائة واثنان وخمسون اسمًا في القرآن.

فما التلميح إذن؟ قال لك: هذا [التلميح يكون] بالشكل هذا، في أكثر من عشرين مادة وردت منسوبة إلى الله؛ أنه ينصر، أنه يحب.

فما دام هناك أنه يخادع أو أنه يمكر أو أنه يستهزئ، قال: لا، لا يصلح أن نأخذ منها أسماء؛ لأن الشرط الثاني ألّا توهم نقصًا.

الشرط الثاني لأسماء الله ألا توهم نقصا وخطر الانتزاع من السياق

الشرط الأول أن ترد المادة، والشرط الثاني ألّا توهم نقصًا.

ومتى توهم نقصًا؟ عندما ننتزعها من سياقها.

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]

لا نُكمل [فيُفهم المعنى خطأً].

﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [النساء: 43]

ولا نُكمل [فيُفهم النهي عن الصلاة مطلقًا]. لا، هذا انتزاع من السياق [وهو محرّم].

الشرط الثالث أن تكون في جانب الصفات والفرق بين الاسم والصفة

رقم ثلاثة: أن تكون [المادة المشتقة] في جانب الصفات لا في جانب الأسماء.

حسنًا، وما الفرق بين اسم الله وصفة الله؟ قال: الاسم عَلَمٌ على ذات الله، والصفة قال: قائمة بالذات.

معنى قائم بالذات: الرحمن، الرحيم، العفو، الغفور، معنى قائم بالذات، هذا هو الصفة.

فيجب أن تكون هذه [المادة المشتقة] من قبيل الصفات، مثل الحبيب والناصر؛ استوفى الشروط الثلاثة فيمكن [اشتقاق الاسم منها].

جواز التسمية بعبد الناصر والدعاء بيا حبيبي وضوابط ذلك

وأنا أدعو أقول: يا رب يا حبيبي يا رب، أه هو حبيبي حقيقة، محبوبي. أقول: يا ناصر، ونسمي أولادنا عبد الناصر، نعم يجوز.

لكن هل نسميه باسم [مشتق من صفات المشاكلة كـ"المستهزئ"]؟ مهم، لا، ما ينفع.

يبقى لازم علينا نأخذ بالنا كيف نفهم كلام الله؛ ما هو ربنا هو أتى بها [هذه الصفات] على سبيل المشاكلة ولم يأتِ بها على سبيل الاستقلال.

الفرق بين عمى القلب وعمى البصر وأثرهما في القرآن الكريم

﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]

في عمى قلب والعياذ بالله تعالى، عمى بصيرة وليس عمى بصر.

وفي عمى عين، عمى بصر. عمى البصر هذا الإنسان يُثاب به ولا يُنزَّه عنه الأنبياء.

﴿وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ﴾ [يوسف: 84]

سيدنا يعقوب عليه السلام فقد بصره، وقال لهم عندما تذهبوا وتضعوا القميص عليه، ماذا يفعل؟ فأعاد [الله] إليه بصره، أي رجع له بصره مرة أخرى.

ففي الأنبياء من أصابه ضُرٌّ أي عمى، فالعمى لا يناقض النبوة.

الصمم يناقض النبوة لأن وظيفة النبي التبليغ عن الله تعالى

ولكن الصمم يناقض النبوة؛ لا يوجد أبدًا نبي كان أصمّ، لأنه يسمع ويستجيب ويقول ويتصل؛ لأن وظيفته هي وظيفة التبليغ عن الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن يكون منقطع الصلة عن العالم بالصمم.

ثواب فقد البصر والصبر عليه وحديث النبي في ذلك

طيب، فالعمى «يعمهون» هذا عمى القلب، عمى البصيرة وليس عمى البصر.

عمى البصر يُثاب عليه الإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من فقد حبيبتيه اللتين هما عيناه فصبر أدخله الله الجنة»

حسن، كذلك يكون الصبر هنا في [مقابل] جنة.

قصة الأعمى الذي جاء للنبي يطلب رد بصره ودعاء التوسل

جاء واحد أعمى لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله ادعُ الله أن يردّ عليّ بصري. قال [النبي ﷺ]: هلّا صبرت ولك الجنة؟ قال له: يا رسول الله ادعُ الله يردّ عليّ بصري.

يبدو أنه لم يكن لديه قائد وكان متعبًا من هذا [الحال].

قال له [النبي ﷺ]: اذهب فتوضأ وصلِّ ركعتين ثم قل:

«اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد، يا محمد إني أستشفع بك عند ربي أن تردّ عليّ بصري، اللهم فشفّعه فيّ»

فردّ الله عليه بصره، صلى الله عليه وسلم.

تخريج حديث الأعمى وتوسل عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي

أخرجه الترمذي وهو بسند صحيح؛ لأنه يرويه عن أبي جعفر وهو الخطمي فهو ثقة.

وأخرجه الطبراني أيضًا، وفي الطبراني أن عثمان بن حنيف فعلها أيام [الخليفة] عثمان [بن عفان] بعد انتقال المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتوسّل به [بالنبي ﷺ] إلى ربه واستشفع، فقضى الله حاجته.

فإذا كان في حياة النبي وبعد حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يجوز أن نستشفع به عند ربنا سبحانه؛ لعلو مكانته عنده، لأنه حبيب رب العالمين.

قاعدة دخول الباء على المتروك في أسلوب الاستبدال القرآني

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 16]

هؤلاء الذين صفاتهم فوق [ما ذُكر] كلها، الذين اشتروا الضلالة. والباء تدخل على المتروك، قاعدة هذه نحفظها غالبًا وليس دائمًا.

aحذر: أن تكون الباء تدخل على الشيء الذي يُترك. فأنت معك جنيه وتريد أن تشتري دولارًا، قم فقل: استبدلت الدولار بالجنيه؛ لأنك أنت تركت الجنيه وأخذت في جيبك الدولار.

تريد أن تفعل [العكس] فتقول: استبدلت الجنيه بالدولار، فما الذي دخل جيبك؟ الجنيه. وما الذي أعطيته للصرّاف؟ الدولار. إذن الباء تدخل على الشيء الذي تركته.

تطبيق قاعدة الباء على آية اشتروا الضلالة بالهدى وخسران المنافقين

حسنًا، يقول هنا ماذا؟ يقول:

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 16]

إذن تركوا ماذا؟ تركوا الهدى واشتروا وأخذوا معهم ماذا؟ الضلالة.

أرأيت الخسارة؟ يعني شخص يأخذ الضلالة ويسير بها ويترك ماذا؟ يترك الهدى.

حسنًا، وهذا يصبح كاسبًا رابحًا؟ يعني قالوا: لا.

﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16]

إذن جمعوا بين أمرين: خسران الدنيا والآخرة؛ خسروا الدنيا وخسروا الآخرة، لأنهم ليسوا رابحين في الدنيا بذلك وليسوا رابحين في الآخرة.

استبدال بني إسرائيل الأدنى بالخير وتطبيق قاعدة الباء عليه

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 16]

استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. يبقى هم تركوا ما هو خير وأخذوا ما هو أدنى؛ عدسًا وفولًا وبصلًا وقثّاءً وهكذا، لكن تركوا الذي هو خير: المنّ والسلوى.

استثناء نادر في قاعدة الباء ودخولها على غير المتروك أحيانا

طيب، وتقول غالبًا.

لماذا نقول غالبًا؟ لأنه أحيانًا تدخل الباء على غير المتروك، لكن أحيانًا قليلة. انتبه كيف:

﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]

هم تركوا ماذا؟ تركوا الدنيا واشتروا ماذا؟ اشتروا الآخرة. ينبغي أن يكون العكس [بحسب القاعدة]، ولكن هذه نادرة، هذه نادرة.

تلخيص قاعدة الباء تدخل على المتروك غالبا مع بيان نسبة الاستعمال

إذن نقول القاعدة كيف؟ الباء تدخل على المتروك غالبًا.

لماذا أتينا بكلمة غالبًا؟ لأنه أحيانًا ترد الباء على غير بابها، أي غير ما هي له من دخولها على المتروك.

أفهمتم أم لم تفهموا؟ فهمتم.

إذن الباء تدخل على المتروك غالبًا، يعني في أغلب الأحوال. يعني لو أحضرنا مائة استعمال نجد تسعين منها دخلت على المتروك، وعشرة فقط على غير المتروك.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.