سورة البقرة | حـ 34 | آية 6 : 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •المؤمن هو النموذج الرباني الذي أراده الله لعمارة الكون، وهو مراد الله من خلقه.
- •ذكر الله المؤمنين في خمس آيات، والكافرين في آيتين، والمنافقين في ثلاث عشرة آية.
- •الكافر واضح في موقفه، لكن المنافق مذبذب، وجزاؤه الدرك الأسفل من النار.
- •لا إكراه في الدين، فالله لا يريد المنافقين، بل يريد إيماناً صادقاً من القلب.
- •مهمة الداعية هي البلاغ فقط، والهداية بيد الله، فلا ينبغي للداعية أن ينزل نفسه منزلة رب العالمين.
- •وصف الله قلوب الكافرين بأنها مختومة، فالله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم.
- •رغم سماعهم للحق، لكن هناك حائل بينهم وبين الاستجابة.
- •على أبصارهم غشاوة تمنعهم من رؤية الحق، وقد حدثت هذه الغشاوة بسبب اتباعهم الشهوات وتقديمهم الدنيا على الآخرة.
- •هؤلاء كانوا قابلين للفهم والاستجابة، لكن الله ختم على قلوبهم وسمعهم بعدما رأى منهم الإعراض.
مقدمة في وصف المؤمن بأنه النموذج الرباني المراد لعمارة الكون
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
يقول ربنا سبحانه وتعالى في آيتين متتاليتين، بعد أن ذكر خمس آيات يتحدث فيها عن المؤمنين، والمؤمن هو مراد الله من خلقه:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
فجنس المؤمن حتى وإن قلّ هو النموذج الرباني الإلهي الذي أراده الله لعمارة الكون، ذلك النموذج الذي يربي نفسه ويزكي نفسه:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
توزيع آيات سورة البقرة بين المؤمنين والكافرين والمنافقين
خمس آيات قال [الله فيها]: هذا هو النموذج [نموذج المؤمن]، وأمامه نموذجان:
النموذج الأول [الكافر] ربنا تحدث عنه في آيتين. النموذج الثاني [المنافق] ربنا تحدث عنه في كم؟ أربع عشرة آية، أربع عشرة آية.
فخمسٌ للمؤمنين، واثنتان للكافرين، وثلاث عشرة آية للمنافقين. فإذا كان المؤمنون هم الأساس فقد عرفنا كيف يبنون أنفسهم.
الفرق بين وضوح الكافر وخطورة المنافق المذبذب
أما الكافر فوالله مريحٌ لنفسه وواضح، يقول: يا إخواننا إنني لست مقتنعًا بكلامكم، فليكن أمر الله فيه كذلك.
ولكن المصيبة في الذين رقصوا على السلّم، فلا الذين فوق رأوهم ولا الذين تحت سمعوهم:
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ﴾ [النساء: 143]
هذا المنافق عجيب الشأن.
تحريم النفاق وعدم الإكراه في الدين لمنع تربية المنافقين
لا يريد الله سبحانه وتعالى من الناس أن ينافقوا، ولذلك حرّم النفاق وجعل جزاءه الدرك الأسفل من النار:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
ولذلك لم يجعل الله سبحانه وتعالى الإكراه في الإسلام:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لأننا لو أكرهنا الناس لربّينا المنافقين، ولا نريد منافقًا فينا. الذي يريد أن يؤمن يقول: أنا مؤمن، والذي لا يريد أن يؤمن فهو حرّ:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
التعامل مع الكافر بالدعوة بالحسنة لا بالإكراه على الإسلام
والثاني [الكافر] هذا لمّا كفر نعمل ماذا؟ نقول له:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]
هذه هي العملية [المنهج الصحيح في الدعوة]. فيقول [قائل]: إن المسلمين أكرهوا الناس! كيف يُكره المسلم الناس على أن يكونوا مسلمين؟ يعني معنى ذلك أنه يكرههم على أن يكونوا منافقين؛ أخاف منك وسأقول: نعم، لا إله إلا الله محمد رسول الله، صدّقتك وقلبي ليس معك! لا، أنا لا أريد ذلك.
الإسلام يريد إيمان القلب أولًا لأن الله رب القلوب
هذا [الإسلام] أنا أريد القلب أن يكون معي، هذا أنا أريد أول شيء القلب.
﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]
يؤمن يعني ماذا؟ يصدّق. بماذا؟ بقلبه. هذا أنا أريد الذي بالداخل، هو الذي يأتيني قبل الذي بالخارج.
هذا ربنا ربّ قلوب، انظر كلام الحكماء في الدنيا: ربنا ربّ قلوب. وأنا ماذا ينفعني أن أضيف إلى المنافقين الآلاف والملايين؟ إذا لم يكن الإيمان قد صدر من قلبك فلا حاجة لي بك.
ولذلك:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
ولذلك:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
ولذلك:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
إلى آخر ما هنالك [من الآيات الدالة على هذا المعنى].
تسلية الله لقلب النبي بأن الهداية بيد الله وحده لا بيد الداعية
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]
يسلّي [الله] قلب النبي ﷺ ويقول له:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
إذن الأمر ليس لك:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: 128]
الأمر ليس بيد الداعية، الأمر بيد الله، فاصمت ولا تُنزل نفسك منزلة رب العالمين. الله سبحانه وتعالى هو الموفّق، والله سبحانه وتعالى هو الهادي، والله سبحانه وتعالى في مقابل أنه الهادي ولأن الأمر كله بيده فهو المضلّ، كالمحيي والمميت والنافع والضار، اتركها لله.
دور الداعية مقتصر على البلاغ وتسلية لحاملي الدعوة بعد النبي
وإلا فماذا عليك؟ عليك البلاغ فقط:
﴿مَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الشورى: 48]
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6]
يعني يستوي الأمر أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فليست القضية إنذارك وعدم إنذارك. هذه القضية هي ما جبله الله عليه من حال؛ من غباوة، من بلادة، من اضطراب، يقدّم الدنيا على الآخرة فيتّبع الشهوات، فلا يريد الله ولا يريد كلامه، ولا يريد آخرة ولا يريد ثوابه ولا عقابه، ويريد أن يسير هكذا في الدنيا مثله مثل البهائم:
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3]
﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ [الحجر: 4-5]
﴿وَقَالُوا يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]
وهكذا هي الحال، فتوكّل على الله وبلّغ:
﴿مَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الشورى: 48]
فحسب. فهنا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم، أي جعل [الله] له بين الطرفين تسلية لقلبه ولمن بعده ممن يحمل الدعوة عنه ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «بلّغوا عنّي ولو آية»
معنى الختم على القلوب وصفات قلوب الكافرين العشر في القرآن
ختم الله على قلوبهم، ووصف الله قلوب الكافرين بعشر صفات في القرآن، فلنتابع معًا واحدة تلو الأخرى:
وصفهم بالختم، وبأن عليها رانًا، وبالقفل، ووصفهم سبحانه وتعالى بالنفاق، ووصفهم بالغطاء، ووصفهم وهكذا في حاجز وحجاب.
ما هو الختم هذا ومن أين يأتي؟ ختمٌ على الرسالة حتى لا تُفتح، وإذا فُتحت يظهر الختم مكسورًا. فكانوا قديمًا يختمون هكذا بالشمع الأحمر على الرسالة بحيث تعرف أنها لم تُفتح.
ختم الله على قلوبهم [أي] ذهب فطبع عليها، هكذا هو يعني تشبيه؛ ختم الله عليها حتى لا تنفتح.
معنى الختم على السمع والفرق بين السماع والاستجابة
وعلى سمعهم [ختم أيضًا]، يقول [الله تعالى]:
﴿فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 44]
﴿فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت: 44]
يعني انغلق نهائيًا. سامع؟ حسنًا، نعم سمعك وأنت تقول، لكن يستجيب؟ لا يستجيب.
ولذلك السمع كما يُطلق على السمع بالأذن، يُطلق أيضًا على الاستجابة. إذن عندما ختم [الله] على سمعهم قال: أي ختم على آذانهم، لا هم يسمعونك [فحسب]، هم يسمعونك ولكن هو [الختم] حائل بينهم وبين الاستجابة.
الفرق بين الختم على القلب والسمع والغشاوة على الأبصار في الآية
وعلى أبصارهم غشاوة، يبقى هذا كلام مبتدأ [جديد]: الختم حصل على القلب والسمع، وعلى أبصارهم غشاوة رفعها [أي رفع الغشاوة عن حكم الختم].
لو كان الختم حصل على القلوب وعلى السمع وعلى الأبصار، والختم تمّ بواسطة وضع الغشاوة، تبقى الغشاوة منصوبة:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً﴾
أي أن الختم حدث بالغشاوة؟ لا، الآية تقول غير ذلك. الآية تقول ماذا؟ غشاوةٌ [بالرفع]، إذن غشاوة عائدة على البصر فقط:
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾ [البقرة: 7]
والحاصل من غير ختم أن على أبصارهم غشاوة. هذه الغشاوة حدثت بطريقة [مختلفة عن] الختم الذي على قلوبهم وعلى سمعهم.
سبب الختم على القلوب والسمع وأصالة الغشاوة على الأبصار عند الكافرين
يعني أن هؤلاء الناس [الكافرين] كانوا قابلين للفهم وللاستجابة، ولكن الله لمّا رأى منهم ما رأى [من الإعراض والعناد] ختم على سمعهم وعلى قلوبهم من قبل.
ولكنهم على أبصارهم غشاوة من الأصل [أي أن الغشاوة على أبصارهم كانت موجودة ابتداءً، بينما الختم على القلوب والسمع جاء عقوبة لهم بعد إعراضهم].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
