سورة الفاتحة | حـ 22 | آية 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •سورة الفاتحة ركن أساسي في صلاة المسلمين، يتلوها المؤمن سبع عشرة مرة يومياً على الأقل.
- •في آية "صراط الذين أنعمت عليهم" نلاحظ دقة التعبير القرآني، فلم يقل "صراط الأنبياء" لتشمل كل من أنعم الله عليهم من الأنبياء والصالحين والصديقين وغيرهم.
- •الآية تربط المسلم بالتجربة البشرية كلها، وترشده للاقتداء بمن هداهم الله.
- •"غير المغضوب عليهم ولا الضالين" تعبير دقيق يشمل من يعلم الحق ويحيد عنه، ومن لا يعلم الحق ويتيه في الحياة.
- •الفاتحة تخاطب الإنسان كإنسان دون تمييز بين غني وفقير، حاكم ومحكوم، ذكر وأنثى، مسلم وغير مسلم.
- •إعجاز القرآن يظهر في دقة ألفاظه وشموليتها، وعدم إمكانية استبدالها بألفاظ أخرى دون الإخلال بالمعنى.
- •الفاتحة تدل على عالمية الإسلام، وأنها من عند الله، وتمثل منهجاً واضحاً للدعاة.
مقدمة الدرس وبيان مكانة سورة الفاتحة في صلاة المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات مع الفاتحة؛ الأساس الكافية الشافية، الركن الذي جعله الله سبحانه وتعالى ركنًا في صلاة المسلمين، يتلوها المسلم وتتلوها المسلمة، يتلوها الكبير والصغير كل يوم سبع عشرة مرة.
يتأكد منها المؤمن من منهاج حياته مع آخر آية وهي الآية السابعة، ولذلك بعضهم سمى الفاتحة بـالسبع المثاني؛ لأنها تُكرَّر وتُثنى في كل صلاة:
﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]
معنى النعمة على الأنبياء وصلتها بالتجربة البشرية والوحي واليقين
﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]
هنا انظروا إلى الجمال: نحن نسأل الله الهداية، لكننا لسنا منفصلين عن التجربة البشرية التي أرادها الله لهذا الكون. أرسل الله آدم وأرسل بعده الرسل، وفضَّل بعضهم على بعض، وختمهم بسيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم.
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدوا، أي اتبعوا هداهم، فقد كان لكم في قصصهم عبرة، فلا بد عليكم أن تتخذوا هذه القصص عبرة.
هؤلاء عليهم الصلاة والسلام، بماذا أنعم الله عليهم؟ بالفهم؛ لأن الوحي عندما ينزل على النبي ينقله إلى مرتبة اليقين، واليقين تزول منه الحيرة والشك والوهن والظن، وتصبح المسائل أمامه رأي العين، ويصل إلى علم اليقين وعين اليقين، فليس مترددًا ولا متشككًا بعد الوحي.
نعمة استجابة الدعاء وأثرها في صلة العبد بربه ورؤية الله في الدنيا
وتجري على يده [يد النبي] المعجزات، ويُستجاب له الدعاء، ولذلك فقد أنعم الله عليه. فاللهم أنعم علينا بنعمة الفهم، واللهم أنعم علينا بنعمة اليقين، واللهم أنعم علينا بنعمة الهداية، واللهم أنعم علينا باستجابة الدعاء.
استجابة الدعاء تُنشئ صلةً بين العبد وربه، ويرى المؤمن ربه في الدنيا [أي يرى آثار قدرته وعنايته]؛ فالعبد يقول: يا رب، فيستجيب له الله. وبعد ذلك يأتي أحدهم ليقول له: لا يوجد ربنا — يضحك عليه [أي يسخر منه] — فهو لا يستطيع استيعاب كلامه.
كلام خاطئ يقول له: إنني لا أعرف لماذا يفعل الله هكذا، عندما تصيبه مصيبة أو نحو ذلك، فيضحك [المؤمن] قائلًا: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من عباده.
الحجاب على القلب ورؤية الله بالبصيرة لا بالبصر من خلال استجابة الدعاء
هذا حجاب على قلب هذا المتكلم [الذي ينكر وجود الله]، لم يرَ الله. ليقول له [المؤمن]: طيب، وأنت الذي رأيته؟ يقول له: نعم.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
نعم، رأيته. نعم، رأيته. بعينك يعني؟ قال له: لا،
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
لا، لم أره بعيني، إنما رأيته طوال النهار والليل في حياتي؛ أدعو فيستجيب لي.
دعاء المؤمن أن يكون مثل الذين أنعم الله عليهم في اليقين والهداية
فأنا أقول: يا رب اجعلني مثل هؤلاء الناس الذين في صلة بينهم وبينك دائمًا، الذين أنت هديتهم والذين أمرتنا أن نقتدي بهداهم.
فارضَ عني وانقلني من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، واجعلني محلًا لنظرك، واستجب دعائي، وأنعم عليّ حتى أكون مثلهم في اليقين، ومثلهم في الهدى، ومثلهم في الهداية، ومثلهم في الطريق إليه [سبحانه وتعالى].
سر اختيار القرآن لعبارة أنعمت عليهم بدلاً من تحديد الأنبياء أو الصالحين
فمن هو الذي أنعم الله عليه؟ انظر إلى الكلام، لم يقل ذلك [صراحةً]. وهذا يظهر في الترجمة عندما يأتي بعض الناس ليترجموا، فتجدها تُترجَم بما في عقلها وليس بالقرآن، بل بما في عقلها هي.
لكن ما رأيك أن الذين يترجمون هؤلاء يُظهرون إعجاز القرآن؛ لأن ربنا لم يقل هكذا، لم يقل: صراط الأنبياء. ربنا قال:
﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]
ولم يقل صراط الأنبياء. ففي التفسير يُقال لك إن «أنعمت عليهم» هم الأنبياء. نعم، هذا رأي مفسر، وهي طائفة ممن أنعم الله عليهم.
سعة عبارة أنعمت عليهم لتشمل الأنبياء والصالحين وجميع أصناف المُنعَم عليهم
فإذا كان «أنعمت عليهم» أنبياء أو غير أنبياء، فهل يعني ذلك أن ربنا لن يستجيب؟ عندما كان يقول صراط الأنبياء ويكون معناها: رب اهدني مثلما هديته — حسنًا، هو موحى إليه وأنت لست موحى إليك. لا، لم يقل الأنبياء فقط.
حسنًا، الصالحين؟ الصالحين فقط، أم الصالحين والصديقين والأنبياء والشهداء والناس الطيبة والناس التي تعمر الكون والناس الذين أنعمت عليهم؟
ما رأيك الآن في كلمة «أنعمت عليهم» وأي كلمة أخرى؟ فلتحذفها هكذا، وخُطَّ أي كلمة أخرى ابتداءً من الأنبياء وانتهاءً بالناس الطيبين — لا تصلح، لا تصلح.
﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]
فتكون هذه واسعة [شاملة لكل من أنعم الله عليهم].
إعجاز كلام الله وعدم قدرة البشر على الإتيان بمثله وعجائب القرآن التي لا تنتهي
وهكذا كلام الله كله، ما كان لبشر أن يستطيع أن يفعل هذا. كلام ليس في مقدور البشر، أن واحدًا لا يخطر في أذهان البشر أنك كلما تشاهد الآيات تستنبط منها معنى جديدًا لم يره أحد قبلك. ما هذا!
ويكون هذا القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الرد، ولا يفهم الناس ما علاقة المسلم بكتاب الله. لِمَ تتشبثون به إلى هذا الحد؟ لأنه معجزة في ذاته، لا تنتهي عجائبه.
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]
«أنعمت عليهم» هذه تقف أمامها هكذا وتتأمل وتتدبر وتتلذذ وتقول: الله، هذا شيء جميل جدًا.
معنى غير المغضوب عليهم ولا الضالين والدعاء بالثبات على الحق
وبعد ذلك قال لك:
﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]
تأمل إلى هذا الكلام: يا رب لا تجعلني ممن يعلم الحق ومع علمي بالحق أحيد عنه، فأكون ممن غضب الله عليه.
ولا تجعلني يا رب لا أعلم الحق فأكون من الضالين التائهين الحائرين في هذه الحياة الدنيا.
تأمل في جمال القرآن، فقد نزل للعالمين، نزل يخاطب الناس أجمعين، والناس ليسوا على قلب رجل واحد ولا إنسان واحد.
الرد على من فسر المغضوب عليهم والضالين باليهود والنصارى فقط وأثر ذلك في الترجمة
من هم المغضوب عليهم ومن هم الضالون؟ أحدهم فسَّر المغضوب عليهم [بأنهم] اليهود، والضالين [بأنهم] النصارى. هل ربنا قال هكذا؟ قال: المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى؟
فيأتي [أحدهم] ويُحضر الترجمة ويقول له: تعالَ، أنت ماذا؟ فيقول: أنا يهودي. فيقول له: انظر كيف يشتمكم المسلمون! ها هو تفسير «غير المغضوب عليهم» في الفاتحة التي يقرؤونها كل صباح، يقولون إن اليهود سيئون. انظر ماذا يقولون عنك!
يصده عن الإسلام. قوم يقولون: إذا كان هؤلاء يشتموننا في صلاتهم، فهذا يعني أنهم يستحقون أن يدمرهم الله بالقنبلة الذرية يا أخي!
تنزيه دعاء المسلم في الفاتحة عن شتم أحد وسعة أقوال المفسرين في الآية
لا، انظر إلى الآيات التي يدعو بها المسلم، وانظر كيف هي منزهة عن أن تتحدث عن هذا وذاك. إن المسلم يطلب الهداية لنفسه ولأمته وللبشر جميعًا أجمعين.
﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]
فيها عشرة أقوال للمفسرين، كل أقوال المفسرين عندما تقارنها بالكلام [القرآني] تجد الكلام أوسع وأحلى وأجمل. أيُعقل أن يكون هذا من عند بشر؟
عالمية خطاب الفاتحة ودعوتها لجميع البشر دون تفريق بين أحد
غير المغضوب عليهم، قل لي هكذا: هل يوجد أحد في البشرية كلها قالوا له: تعال، ما رأيك في هذه الفاتحة؟ هل تستطيع البشر يقولونها؟ كل البشر يقولونها، لا توجد حواجز.
أنت ذكرت اليهود وذكرت النصارى، ماذا عن بقية أمم الله؟ هناك خمسة آلاف دين في الأرض، لكنني أخاطب الإنسان كإنسان، أمد له يدي وأقول له: تعال فكر معي.
نحن لا نريد أن نعرف الحق أبدًا — أي حق — ونحيد عنه. هل تتفق على هذا أم لا؟
﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 64]
انظر إلى هذا الكلام، تعالوا نتفق.
لا أحد يرضى أن يكون من الضالين والجميع يطلب الحق والشفافية
هل تحب أن تكون من الضالين؟ أبدًا، لا يوجد أحد في الأرض يقول: نعم، أنا أحب أن أكون من الضالين — إلا إذا كان في عقله شيء [أي خلل].
لكن كل الناس يقولون: نحن نريد الشفافية، نريد الصدق، نريد حقوق الإنسان، نريد الحق. حسنًا، نحن نريد ذلك أيضًا.
إلا أنكم [تقولون]: في كتابكم تشتمون الناس! أين؟ أين في كتابنا نشتم الناس؟
القرآن العربي المعجز هو المرجع الأصل عند خطأ المترجمين والمفسرين
وهذا هو الذي جعل القرآن الذي باللغة العربية المعجز، الذي لا تنتهي عجائبه، الذي هو الأصل، جعله مرجعًا.
فعندما واحد يخطئ في ترجمة فنقول له: إن الأصل ليس هكذا، بل المترجم هو الذي قال هكذا. وعندما يخطئ أحدهم في التفسير أقول: إن الأصل ليس هكذا، بل المفسر هو الذي قال هكذا.
وأخطاء هؤلاء المترجمين والمفسرين نتجت من ماذا؟ نتجت من إعجاز القرآن [الذي لا يحيط به بشر بالكامل].
عالمية الفاتحة وعدم تفريقها بين الناس ودعوتها الجميع إلى كلمة سواء
أما أنت يا أخي فلا تعرف أن تقول «ولا الضالين»، ولا أحد يستطيع أن يرفض هذا.
لم تفرق هذه الفاتحة بين الغني والفقير، ولا بين الحاكم والمحكوم، ولا بين الذكر والأنثى، ولا بين المسلم وغير المسلم. ودعت الجميع: تعالوا إلى كلمة سواء، هيا تعالوا نجتمع هكذا وندعو الله سبحانه وتعالى.
ما رأيك أن هذه الفاتحة تدل على عالمية الإسلام، ويدل [ذلك] على أنه من عند الله، ويدل على منهج واضح يجب على الدعاة أن يسيروا عليه.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
