سورة البقرة | حـ 115 | آية 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 115 | آية 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يشرح الآية من سورة البقرة عن الشياطين والسحر، وكيف أن بعض المعلومات ينبغي أن تكون خاصة ولا تشاع بين العامة.
  • يوضح أن المعلومات العسكرية وأسرار الصناعة والأمن القومي يجب أن تبقى سرية، وإفشاؤها يعد خيانة وفساداً.
  • يؤكد أن الدين الإسلامي ليس فيه أسرار، فهو متاح للجميع بلا تمييز عرقي أو طبقي أو جنسي.
  • يبين أن هاروت وماروت كانا يحذران الناس من الفتنة بقولهما "إنما نحن فتنة فلا تكفر"، لكن البعض استخدم ما تعلمه للإفساد.
  • يحذر من استخدام العلم في الضرر كما حدث مع القنبلة الذرية التي استخدمت للتدمير بدل الاستخدامات السلمية.
  • ينبه أن من يستعمل العلم في الإفساد يكون له نصيب في الدنيا من هيمنة وتجبر، لكن ليس له نصيب في الآخرة.
  • يختم بأن الله يأمرنا ألا نكون كالمفسدين الذين اشتروا الضلالة بالهدى.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية اتباع بني إسرائيل للشياطين في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة وهو يقصّ علينا قصة بني إسرائيل، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينعى عليهم فيحذّرنا:

﴿وَٱتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102]

مضمون ذلك الكفر [أي كفر الشياطين] أنهم يعلّمون الناس السحر، هذه واحدة.

﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ﴾ [البقرة: 102]

فهم أيضًا يعلّمون السحر من ناحية، وأيضًا يعلّمون أشياء خاصة [أي معلومات لا ينبغي أن تُشاع بين عموم الناس].

وجوب سرية بعض المعلومات وخطورة إفشاء الأسرار العسكرية

ينبغي ألّا تأخذ [هذه المعلومات الخاصة] مأخذ العموم؛ خاطبوا الناس على قدر عقولهم. هناك أشياء لا بدّ أن تكون المعرفة فيها خاصة، فإذا شاعت أفسدت.

من ضمن هذه الأشياء المعلومات العسكرية، والمعلومات العسكرية لا بدّ أن تكون سرية، والذي يُفشي الأسرار العسكرية يكون خائنًا لوطنه. ولا يجوز أن نتناول ما يتعلق بالشؤون العسكرية في صحافتنا وإعلامنا؛ فهو محظور.

فإذا فعلنا ذلك كان فسادًا كبيرًا في الأرض وكان ضياعًا من كل جهة. هذه معلومات ينبغي أن تكون مضمونة [أي محفوظة]، وينبغي أن تكون مضمونة بها على غير أهلها، مضمونة بها على غير أهلها [أي لا تُكشف لمن ليس من أهلها].

الفرق بين الدين المفتوح للجميع والمعلومات الدنيوية السرية

يعني أن المعلومات هذه [العسكرية والخاصة] لا علاقة لها بالدين؛ فالدين عندنا ليس فيه أسرار، والدين عندنا يعلمه كل أحد ويستطيع أن يتعلمه كل أحد: الأبيض والأسود، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، والغني والفقير.

لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجرات: 13]

ليس هناك تفرقة عرقية أو جنسية أو طبقية عند المسلمين؛ [الدين] مفتوح [للجميع]. لماذا؟ لأن هذا يتعلق بالدين.

أما ما كان يتعلق منه بالدنيا فإن بعضه يكون سرًّا، ولا بدّ أن يكون سرًّا.

ما أنزل الله على هاروت وماروت من معلومات خاصة وتحذيرهما الناس

والمثال على ذلك [سرية بعض المعلومات الدنيوية]: بعض أنواع أصول المعرفة، كأن مثلًا يكون لديك سرّ صناعة شيء معين تتقوّى به بلادك، فلا تبيع هذا السرّ، أو المعلومات العسكرية أو نحو ذلك.

فأنزل الله سبحانه وتعالى على هاروت وماروت معلومات خاصة، كان ينبغي عليهما ألّا يكشفاها وألّا يُذيعاها وألّا يُشيعوها في أوساط الناس.

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]

انظر إلى الفرق بين هاروت وماروت وبين بني إسرائيل: فهاروت وماروت كانا يعلّمان كل واحد على حدة، فهل هي خاصة أم عامة؟ فهي خاصة.

تحذير هاروت وماروت من فتنة العلم وخطورة انتشاره بين غير أهله

وعندما يعلّمانه [أي كل فرد على حدة] يُعرّفانه أين تكمن علة الاشتباه في تلك المعلومات ومدى خطورة انتشارها.

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]

المعلومات هذه فتنة؛ لو شاعت بين الناس فعرفوها أحدثت بينهم فتنة. لماذا؟ لأنهم لا يفهمونها على وجهها؛ سيفهمها كل واحد طبقًا لثقافته، طبقًا لمعلوماته، طبقًا لرصيده المعرفي.

ومن هنا فإنها ستكون فتنة. فلا تكفر، لا تكفر نعمة الله عليك. ضع العلم في أهله ولا تُقلّده القردة والخنازير. العلم هذا كالجوهرة لا تضعها في رقبة قرد أو خنزير، ضعها في مكانها وإلا فذلك سفه.

تعليم هاروت وماروت بصورة خاصة واستخدام المتعلمين العلم في الشر

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]

فكانا يعلّمان فردًا فردًا، يعلّمان بصورة خاصة وليس بصورة عامة، حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.

﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: 102]

انظر إذن إلى عكس هذه [النتيجة]: يعلّمها [هاروت وماروت] من أجل أن يُدرك [المتعلّم] الواقع، من أجل أن يُدرك خصائص الأشياء، من أجل أن يستخدمها في الخير. فإذا به بعد أن عرفها وتعلّمها استخدمها في الشر.

﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102]

يقلبون الخصائص؛ بدلًا من أن نعمل ما يجمع بين المرء وزوجه، لا، نعمل شيئًا يفرّق بين المرء وزوجه.

كل شيء بإذن الله وخطورة استعمال العلم في الضرر دون النفع

﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 102]

لأن الأمر كله لله.

﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: 102]

بالرغم من أن العلم إنما هو لما ينفع ولا يضرّ، فإذا نحن تعلّمنا من العلم الذي علّمنا الله إياه فاستعملناه في الضارّ دون النافع، نكون قد عكسنا مراد الله، ويكون ذلك من الحرام.

فربنا علّمنا كيف نستخرج الطاقة من الذرة، فذهبوا وصنعوا قنبلة ضربوا بها ناجازاكي وهيروشيما وقتلوا بها الخلق، في حين أن نفس الطاقة يمكن أن نولّد بها الكهرباء، ويمكن أن نشغّل بها المصانع، ويمكن أن نسيّر بها القطارات، ويمكن أن نستعملها فيما يسمى بـالاستعمالات السلمية.

الأمر الإلهي باستعمال العلم في النفع لا في الفساد والإفساد

الاستعمالات السلمية لم تظهر إلا بعد أن تقدّمتم في العلم في الضرر دون النفع، إلا بعد أن طبّقتم العلم فإذا بكم تطبّقونه ضارًّا ولا تطبّقونه نافعًا.

إذن فالله يأمرنا هنا ألّا نكون أمثالهم [أي أمثال بني إسرائيل]، وأنه كلما أنعم علينا بشيء من العلم لا نستعمله في الفساد والإفساد ولا الإضرار والضرر، وإنما نستعمله فيما ينفع.

وأن من استعمل العلم في غير ما هو له فقد كفر بما أنزل الله:

﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]

﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: 102]

جزاء من اشترى الضلالة بالهدى وخسارته في الآخرة والخاتمة

﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 102]

ليس له نصيب؛ خلاق يعني نصيب، ليس له نصيب في الآخرة.

طيب، هل له نصيب في الدنيا؟ هو بقدر إفساده يعمل هيمنة على الشعوب، يعمل تخويفًا لخلق الله، يشوّههم بالملايين وبالآلاف، يُفسد في الأرض ويتجبّر. آه، له نصيب في الدنيا، لكن هل له بذلك عند الله شيء في الآخرة؟ وهي الحياة، وهي التي فيها الخلود، وهي التي هي المراد؟ أبدًا.

يقول تعالى:

﴿مَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 102]

ثم يختم:

﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِٓ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102]

لو عرفوا ماذا فعلوا بأنفسهم لعرفوا أنهم قد اشتروا الضلالة بالهدى، والحياة الدنيا بالآخرة، وتركوا الصلاح وفعلوا الفساد. وهو يأمرنا ألّا نكون كذلك.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.