سورة البقرة | حـ 133 | آية 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 133 | آية 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يفسر النص قوله تعالى: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" حيث جعل الله الكعبة مركزاً يجذب القلوب كالمغناطيس.
  • البيت مثابة للناس أي مرجع يعودون إليه حيناً بعد حين، فحتى من لم يروه يشتاقون إليه.
  • جعله الله آمناً كوناً وتكليفاً، فمن دخله يشعر بالأمان ويُمنع تخويفه لأنه في ضيافة الرحمن.
  • يمثل البيت مركز دائرة العبادة التي لا بداية لها ولا نهاية، إشارة إلى استمرارية عبادة الله.
  • اتخاذ مقام إبراهيم مصلى يدل على أن البيت للعبادة وليس للتقديس فقط.
  • نقل سيدنا عمر مقام إبراهيم من جوار الكعبة إلى مكانه الحالي لتسهيل الطواف.
  • الطواف صلاة يشترط لها الطهارة وستر العورة، لكن أبيح فيها الكلام.
  • تطهير البيت واجب للطائفين والعاكفين والركع السجود.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، حيث يقول ربنا:

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَٱتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]

معنى المثابة وأن البيت الحرام مركز الدائرة الذي يجذب القلوب

﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾: ثاب أي رجع، ذهب ورجع وعاد. مثابة أي أنه مركز الدائرة الذي يخرج منه الناس شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ثم يعودون إليه.

فكان فيه مغناطيس القلوب؛ المغناطيس يجذب إليه الحديد، وهذا البيت الذي هو محل نظر الله، بجعل الله له سبحانه وتعالى محلًا لنظره، هو يجذب القلوب.

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ﴾ [البقرة: 125]

أي جعله جاذبًا للقلوب تعود إليه حينًا بعد حين. مثابة يعني مكانًا يرجع إليه بعد فراقه.

تعلق القلوب بالبيت الحرام وشوق الناس لزيارته حتى من لم يره قط

للناس حتى الذين لم يفارقوه فإنهم يريدون زيارته، والذين لم يروه أبدًا يقولون: أريد أن أحج، أريد أن أعتمر، أريد أن أذهب فقط لأرى الكعبة.

ما هذا ولماذا كذلك؟ كيف علّق الله هذه القلوب بهذا البيت العتيق؟ نعم، لأنه جعله مثابة للناس وجعله آمنًا: كونًا وحقيقةً وتكليفًا.

معنى الأمن في البيت الحرام كونًا وحقيقةً وتكليفًا شرعيًا

ما معنى كونًا وحقيقةً وتكليفًا؟ أي أن الإنسان عندما يدخل البيت الحرام يشعر بالأمن ينزل على قلبه، هذا كونًا.

وأما تكليفًا؟ فالأمن لمن دخل فيه، ومن دخله كان آمنًا. كونًا وتكليفًا: من ناحية أنه يشعر بالأمان، ومن ناحية أخرى أنه [الله سبحانه وتعالى] يقول لك أنت: إياك أن تُهيّجه، إياك أن تُفزعه، إياك أن تُخوّفه، إياك أن تقبض عليه، إياك أن تستعمل معه العنف.

لماذا؟ قال: لأنه في ضيافة الرحمن، فهو ضيف من ضيوف الرحمن، وأنت مندوب هنا في الأرض لضيافته؛ عليك أن تتكفل به وتعالجه وتحميه، هذا الذي تفعله معه: تُضيفه.

الفرق بين الخبر والإنشاء في قوله تعالى ومن دخله كان آمنا

ولكن ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97]، هذه يقول لك: هذه عبارة عن خبر أُريد به الإنشاء. الثاني قال: أبدًا، هذا أُريد بها الخبر والإنشاء معًا.

الخبر كونًا: أنه فعلًا من دخله يشعر بالأمان. والإنشاء تكليفًا: أي آمِنوا من دخل فيه.

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]

هكذا جعله الله سبحانه وتعالى، وإنما تصبح ماذا؟ تصبح تكليفًا وتشريفًا.

البيت الحرام قبلة ومركز دائرة العبادة التي لا بداية لها ولا نهاية

﴿وَٱتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

هذا هو الكون، ولكن ماذا نعمل في البيت إذن؟ نعبد ربنا. فما هذا البيت إذن؟ هذا البيت قبلة، هذا البيت جاذب ومثابة، هذا البيت هو مركز الدائرة.

والدائرة أين مبتداها وأين منتهاها؟ لا بداية لها ولا نهاية. فأين بداية عبادتك وأين نهايتها؟ لا بداية لها ولا نهاية. نحن نعبد الله مخلصين له الدين أبدًا، من غير بداية ومن غير نهاية؛ يعني ليس لدينا وقت نقول فيه إننا هكذا انتهينا مما علينا، غدًا لن نعبد ربنا.

إبطال نظرية سقوط التكاليف والطواف دليل على استمرار العبادة

نظرية سقوط التكاليف [التي يزعمها بعض الغلاة]: أنا وصلت أخيرًا، وصلت إلى ماذا؟ وصلت! هذا يعني أنه يسير في خط مستقيم ووصل من نقطة إلى نقطة. أنت تسير في الكعبة في خط مستقيم؟ هذا أنت في دائرة.

والدائرة تعني ماذا؟ تعني لا نهاية لها، لا نهاية لها. هذا أنت جالس تسير في دائرة. أين مركز الدائرة؟ بيت الله. وأين مركز الدائرة في روحك؟ الله، فلا نعبده سواه.

وجالسون ندور هذا الدوران، لماذا؟ لإثبات الدائرة أنه لا نهاية لعبادتنا، ولذلك لا يسقط التكليف أبدًا.

العبادة لا تتوقف أبدًا حتى في حالات المرض والفقر والعجز

أنا مريض؟ صلِّ وأنت نائم. أنا متعب؟ صلِّ وأنت جالس. أنا ليس معي مال؟ يجوز لك أن تتصدق حتى لو لم تُفرض عليك الزكاة.

قال رسول الله ﷺ: «اتقِ الله ولو بشقّ تمرة»

أنت معك تمرة واحدة فقط؟ قم فكُل نصفها وأعطِ نصفها. ما هذا؟ ألن نتوقف عن العبادة أم ماذا؟ لن نتوقف.

فيشير سبحانه وتعالى إلى أن في هذا البيت ليس فقط لتقدسه، بل إنك في هذا البيت لعبادة ربك.

﴿وَٱتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

مقام إبراهيم وقصة نقل سيدنا عمر له لمصلحة المسلمين

ما مقام إبراهيم هذا؟ الحجر الذي كان يعلوه [إبراهيم عليه السلام] ليبني الكعبة، وأثر قدمه موجود في الحجر، والمقام موضوع عليه زجاج، موضوع عليه نحاس أو ذهب، بعيد عن البيت.

من الذي أبعده عن البيت؟ الذي أبعده عن بيت [الله هو] سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]. كان المقام هذا ملتصقًا بالكعبة بجوارها تمامًا، بعد الباب قليلًا ملاصقًا للكعبة هكذا.

فسيدنا عمر رأى أنه أصبح يضايق الطواف؛ يأتون عنده وتزدحم الناس لكي تتجاوزه فلا تصطدم به وتمشي مرة أخرى، فعاكس الطواف لما كثر الناس في عصر سيدنا عمر.

فقه سيدنا عمر في تقديم مصلحة المسلمين على تقديس الأشياء

قال لهم: حسنًا، ما رأيكم أن تنقلوه؟ فبيّن لنا رضي الله تعالى عنه، وكم بيّن للأمة كيف نفكر ونقدم مصلحة العبادة ومصلحة المسلمين، ولا نقدس الأشياء تقديسًا يمنعنا من مصلحة المسلمين.

فوسّع المسجد النبوي [أي الحرم المكي] وأزال مقام إبراهيم من مكانه إلى المكان المشهور المعلوم الآن.

ركعتا الطواف وأحكام الطواف من طهارة وستر وإباحة الكلام فيه

اتخذوه مصلى أي صلّوا فيه ركعتين، وهاتان الركعتان اسمهما ركعتا الطواف وتحية البيت.

الطواف صلاة إلا أنه قد أُبيح فيه الكلام. صلاة أي ماذا؟ قال: صلاة أي يحتاج إلى طهارة وستر؛ طهارة مثل الصلاة، يجب أن [تكون] متوضئًا ومستورًا، أي تستر عورتك كما في الصلاة.

المرأة تستر كل بدنها إلا الوجه والكفين، والرجل يستر ما بين السرة والركبة وجوبًا، أي يجب عليه ذلك.

ويُباح فيه الكلام؛ تستطيع أن تذكر [الله]، تستطيع أن تقرأ قرآنًا، تستطيع أن تقول للذي بجانبك: كم شوطًا بقي لنا الآن؟ أو كم طوافًا عملنا؟

الأمر بالعبادة عند مقام إبراهيم وتطهير البيت للطائفين والعاكفين

﴿وَٱتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

ففيه أمر بالعبادة، وفيه إشارة إلى أن تلك العبادة لا تنتهي وأنها أبدًا لله.

﴿وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]

فتطهير البيت واجب للطائفين والعاكفين والراكعين الساجدين، وهذا يستغرق وقتًا طويلًا. هؤلاء هم الطائفون والعاكفون والراكعون الساجدون.

فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.