سورة البقرة | حـ 152 | آية 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 152 | آية 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص معنى الآية "سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" في سورة البقرة.
  • السفهاء هم من يطرحون أسئلة بقصد المراء والجدال لا بهدف المنفعة والمصلحة.
  • علمنا الله في قصة البقرة ألا نسأل أسئلة سفيهة ثم لا ننفذ ما كلفنا به.
  • حذرنا الرسول بقوله: "اتركوني ما تركتكم، إنما هلك الذين من قبلكم بكثرة ترددهم على أنبيائهم".
  • من أنواع الأسئلة السفيهة: أسئلة المباهاة، والاستكبار، والاستنكار، والاستهزاء، والألغاز، والمعرفة المجردة عن العمل.
  • يعلمنا القرآن "الأسلوب الحكيم" في الرد على الأسئلة السفيهة بتجاوز السؤال إلى المقصود الحقيقي.
  • مثال ذلك قوله تعالى: "قل لله المشرق والمغرب" ردًا على سؤال تغيير القبلة.
  • كذلك في قوله تعالى عن الأهلة: "قل هي مواقيت للناس والحج" بدلاً من شرح ظواهر فلكية.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضع الآية من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة، وفي أول الجزء الثاني من تقسيم المسلمين لكتاب ربنا، يقول ربنا:

﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]

معنى السفيه لغةً وصيغة المبالغة في وزن فعيل

وعلمنا أن السفيه — فالسفهاء جمع سفيه — وإن السفيه صيغة مبالغة، وإنها بهذا الوزن؛ السفيه على وزن فعيل تعني اسم الفاعل أو اسم المفعول، لكنها هنا تقع على اسم الفاعل كعليم وعلماء وفقيه وفقهاء.

الفرق بين السؤال العاقل والسؤال السفيه وأهدافهما

وأن السؤال قد يكون السؤال عاقلًا وقد يكون السؤال سفيهًا. وإن السؤال السفيه القصد منه المراء والجدال وسوء الأخلاق والشقاق، وليس القصد منه المنفعة والمصلحة والدليل وعمارة الأرض والتطور إلى الأحسن وعلم ما قد جهلناه.

بل يكون [السؤال السفيه] إنكارًا في غير موضعه واستكبارًا في غير موضعه، وهكذا فهذا هو السؤال السفيه.

وجوب أن تكون أسئلتنا طيبة بعيدة عن التشدد والسفاهة

إذن نتعلم من هذه الآية أنه يجب أن تكون أسئلتنا أسئلة ليست أسئلة سفيهة، وإنما أسئلة طيبة. ومن طيب السؤال أن يكون بدون تشدد على أنفسكم.

فسميت هذه بـسورة البقرة، وعلمنا الله سبحانه وتعالى قصة البقرة من أجل ألا نسأل الأسئلة السفيهة التي نسألها، ثم لا ننفذ ما كُلِّفنا به عندما نعلمه.

حديث النبي ﷺ وآية المائدة في النهي عن كثرة الأسئلة

ويقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبني عقليتنا:

قال رسول الله ﷺ: «اتركوني ما تركتكم، إنما هلك الذين من قبلكم بكثرة تردادهم على أنبيائهم»

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 101-102]

المبادرة إلى الامتثال والعمل بالعلم كما كان الصحابة يفعلون

ويعلمنا الله في سورة البقرة أن المبادرة إلى الامتثال من غير التفتيش — وهو الذي تعوَّد كثير من الناس يفتشون مدعين بذلك أنهم يريدون معرفة أحكام الله — فتعلموا العلم النافع الذي إذا عرفتموه طبقتموه.

وكان الصحابة يحفظون القرآن ولا يتجاوزون العشر آيات حتى يطبقوها، أي حتى يطبقوها في حياتهم.

أنواع الأسئلة السفيهة التي نهى الله عنها

فنهانا الله عن أن نتشبه بالسفهاء في أسئلتهم؛ السؤال للمباهاة، والسؤال لإثبات الحالة، السؤال الاستكبار، السؤال الاستنكار، السخرية والاستهزاء على خلق الله، السؤال الذي يكون فيه نوع من أنواع الإلغاز والغموض، السؤال الذي فيه نوع من أنواع المعرفة المجردة عن العمل وعدم المبادرة إلى العمل.

السؤال الذي يكون سببًا للحيرة؛ تريد أن تُحيِّر الذي أمامك، تريد أن تختبر. كل هذا يبقى من سؤال السفهاء:

﴿مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]

أسلوب الحكيم في الإجابة على الأسئلة السفيهة في القرآن

علمٌ لا ينفع والجهل به لا يضر. فتأتي الإجابة؛ فيعلمنا الله سبحانه وتعالى كيف نجيب على الأسئلة السفيهة بأسلوب حكيم يسمو بقواعد البلاغةالأسلوب الحكيم.

﴿مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]

الإجابة ما هي إذن؟ الإجابة هي: لماذا تركت بيت المقدس؟ فكان يقول له في الإجابة: ترك بيت المقدس لأنه — أي يذكر السبب — ويبدأ يذكر الأسباب. تجاوز ربنا عن السؤال، والتجاوز عن السؤال هذا يسمونه أسلوب الحكيم.

التجاوز عن السؤال الملتوي والتمسك بالموضوع الأصلي

تجاوز ربنا عن السؤال هذا يعلمنا: عندما يكون السؤال فيه التواء ودوران ونقل الكلام من موضوع إلى موضوع حتى يشوش عليك المتحدث ما نحن فيه — وهذا يحدث في المفاوضات السياسية كثيرًا — أن الذي أمامك يسألك سؤالًا لا علاقة له بالموضوع ويشتتك ويأتي لك بأمور أخرى ليس لها صلة بالموضوع.

صمِّم على الموضوع، ادخل فيه، تجاوز هذا السؤال، وانظر ما القضية التي بيننا وبينك:

﴿قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: 142]

تجاوز الله عن سؤال ترك بيت المقدس وعدم الانجرار لقضية المفاضلة

هذا ليس إجابة عن سؤال: لِمَ تركت بيت المقدس؟ ولِمَ توجهت إلى الكعبة؟ فالسائل يريد أن يقول له: ماذا؟ تركت بيت المقدس لأن بيت المقدس أقل من الكعبة! وكنا سندخل في قضية أخرى: وهل بيت المقدس أقل أهمية من الكعبة؟ غير صحيح.

﴿قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: 142]

فبيت المقدس الصلاة فيه بخمسمائة [صلاة]، لكنهم لا يعلمون أن البيت الحرام الصلاة فيه بمائة ألف.

مكانة القدس عند المسلمين وعدم التنازل عنها أبدًا

فعندها سيقول لك: هذا ليس مهمًا عندكم، وهم يريدون الاستيلاء على القدس هنيئًا مريئًا. لا! فالقدس يحبها كل مسلم كحبه للكعبة وحبه للمدينة المنورة شرفها الله ونورها.

القدس أهم قضية للمسلم في حياته، ولن يتنازل عنها. وإذا تنازلنا نحن عنها سيأتي أبناؤنا ويعودون مرة أخرى إليها ويرفعونها راية خفاقة لا جدال حولها.

نصيحة المسلمين بإعادة القدس عاصمة لفلسطين لتحقيق السلام

فلا فائدة، ولذلك قلنا لهم: أنتم تريدون ماذا؟ حسنًا، افترض أننا وافقنا نحن على القدس نتركها ولا نفعل شيئًا، أولادنا سيوافقون؟ ستعرفون أنتم هكذا. ستنزعونهم من تاريخهم ومن دينهم ومن عقائدهم؟ أبدًا لن يحدث.

وعليه فإننا ننصحكم لوجه الله أن تعيدوا القدس عاصمة لفلسطين حتى ينعم الناس بالسلام، وليس لها حل آخر. ليس من أجلنا نحن؛ حتى لو ضعفنا وحتى لو تركنا، لن يتركوكم أولادنا وأحفادنا، لن يتركوكم.

فنحن نعلمكم شيئًا أنتم لا تفهمونه ولا ترونه؛ تظنون أن الأمر أمر قوة؟ أبدًا. إننا ندعو إلى السلام القائم على العدل المستمر، فلا بد أن تعود القدس.

﴿قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: 142]

أسلوب الحكيم في آية الأهلة والتجاوز عن السؤال إلى المقصود

يسمونه أسلوب الحكيم في البلاغة. يقولون هكذا: أسلوب الحكيم. وأيضًا في قوله تعالى:

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: 189]

فيقولون له: لماذا تنتفخ الأهلة هكذا وتتحول إلى بدر ثم تتحول إلى هلال؟ لماذا هكذا؟ فكان يقول لهم فأصبح أن هذا أصلها: الشمس تأتي لتستعرض مع الأرض فيحدث كذا، والقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، ويحكي لهم هكذا.

لكن الله قال:

﴿قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]

فتجاوز الله تجاوز عن الإجابة إلى المقصود. فهذا أسلوب الحكيم، كثير كذلك في القرآن أسلوب الحكيم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.