سورة البقرة | حـ 159 | آية 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 159 | آية 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • استجاب الله لدعاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة، فجمعت القبلة المحمدية بين رضا الله ورضا رسوله.
  • رضا الله أمر عظيم لا يدركه كل أحد، أما رضا الرسول فيدركه الجميع لأنه محسوس.
  • يرتكب بعض الناس الذنوب وهم يعلمون أن الله يراهم، لكنهم لا يستطيعون ارتكابها أمام رسول الله.
  • تتعلق قلوب الناس بالمحسوس، فقد يبكي أحدهم عند الكعبة، ويغمى عليه عند قبر النبي.
  • أرسل الله الرسل ليكونوا قدوة محسوسة للناس، فكيف يكفرون وهم يرون المعجزات تتوالى على أيديهم.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم قوياً شجاعاً في الحرب، يحتمي به الصحابة عند اشتداد القتال.
  • صارع النبي ركانة المشرك وغلبه ثلاث مرات، فأسلم ركانة.
  • لم يضرب النبي أحداً قط بيده، لا غلاماً ولا عبداً ولا امرأة، مع أنه سيد المجاهدين.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

تحويل القبلة استجابة لدعاء النبي والجمع بين رضا الله ورضا رسوله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، يقول ربنا:

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ [البقرة: 144]

استجاب الله لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وولّاه إلى هذه القبلة [الكعبة المشرفة] التي يرضاها. فجمعت القبلة المحمدية بين أمرين: بين رضا الله ورضا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الفرق بين إدراك رضا الله وإدراك رضا رسول الله عند الناس

رضا الله هذا شيء عالٍ جدًا، لكن لا يدركه كل أحد. ورضا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء عالٍ جدًا، ولكن يدركه كل أحد.

الله لم يره الخلق، ورسول الله قد رآه الخلق. تجد بعض الناس يفعلون شيئًا غريبًا جدًا؛ يذنب وهو يعلم أن الله يراه، ولا يستطيع أن يذنب أمام رسول الله. أتدرك ذلك؟ [أي هذا الفرق العجيب].

مناقشة من يذنب وهو يعلم أن الله يراه ولا يذنب أمام رسول الله

هو وحده قام يرتكب الذنوب. ألست تعلم أن ربك يراك؟ قال له: نعم أعلم. فلماذا ترتكب هذا الذنب الآن؟ فإن ربك يراك! فراح يتهرب من نفسه هكذا، أن يغرر بنفسه ويرتكب أيضًا الذنب.

حسنًا، أتستطيع أن تفعل هذا [الذنب] أمام رسول الله؟ تخيّل هكذا رسول الله ينظر إليك فعلًا في الواقع هكذا، أتستطيع أن تفعل أمامه هكذا؟ لا أعرف [أحدًا يستطيع ذلك].

والله أنت لست مؤمنًا! قال: أنا مؤمن مائة في المائة، ومؤمن أن الله يراه. قال: نعم. قالوا: إن هذا نقص [في مقام الإحسان].

مقام الإحسان وتأثر الناس بالمحسوس عند رؤية رسول الله

كم واحد يعبد الله كأنه يراه؟ هؤلاء هم المحسنون. هذا أمر صعب قليلًا، هذا ليس كل البشر، هذا قليل من البشر.

وكم شخص يتأثر مباشرة بوجود رسول الله؟ يقف جميعًا! لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضرًا في مجلس ما، لقام المؤمنون به يخجلون، وألّا يصبح منافقًا ولا يكون معنا. لكن جميع الحاضرين لرسول الله تجدهم على الفور [يستقيمون ويخشعون].

تعلق القلوب بالمحسوس عند الكعبة وعند قبر رسول الله

حسنًا، ما رأيك إذن أن هذه الكعبة من حب الله جميلة جدًا؟ وأما من حب رسول الله فتجده يبكي. يا الله! وأنت منذ قليل نقول من حب الله لا تبكِ، وعندما أقول لك من حب رسول الله [تبكي]؟ قال: لتعلّق قلبه بالمحسوس.

فيذهب أحدهم إلى الكعبة فيطوف ويطوف هكذا ويدعو: يا رب يا رب، فربما تنزل دمعة بسبب شيء من هذا القبيل. وعند رسول الله يُغمى عليه إذا زار القبر الشريف.

لماذا؟ قال له: إن هذا محسوس، هذا أمامه هنا هكذا محسوس.

حكمة إرسال الرسل لتعلق القلوب بالمحسوس وكيف تكفرون وأنا فيكم

بعضهم يأتي بكلام آخر يقول: إن ربنا غفور رحيم. لكن القلوب قد عشقت المحسوس؛ ولذا أرسل الله الرسل لكي يكونوا فيهم [بين الناس] هكذا.

كيف تكفرون وأنا فيكم؟ انظروا إلى الكلام: عندما أنتم ترونني ها هو، وترون أحوالي، وترون ليل نهار المعجزات تتوالى على يديه صلى الله عليه وسلم، وهو بحاله وقاله يدل على الله [سبحانه وتعالى].

رفق النبي صلى الله عليه وسلم وعدم ضربه أحدًا قط بيده

ما ضرب النبي عليه [الصلاة] وسلم شيئًا بكفه قط. هذا كلام السيدة عائشة [رضي الله عنها]: لا غلامًا ولا عبدًا ولا امرأة.

قال: ولن يضرب خياركم [نساءهم]. وعندما يكلمونه عن ضرب النساء قال: ولن يضرب خياركم. ولم يضرب أحدًا قط بيده هكذا هو.

ما هذا؟ سيد المجاهدين في سبيل الله، الذي كان في الحرب وهو يدفع العدوان ويصد الطغيان.

شجاعة النبي في الحرب ومصارعته لركانة وإسلامه

إذا اشتد الوطيس، أي الحرب الشديدة، احتمينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان كالأسد في أجمتها؛ متى رآه أحدهم ارتعب.

سيد الخلق جاءه رجل من المصارعين اسمه ركانة، فقال له: يا محمد أتصارعني؟ ركانة مشرك ومغتاظ من النبي، ويريد أن يضربه، ومصارع. فقال [ركانة]: سأصارعه لعل يشفي غليلي قليلًا.

قال له [النبي ﷺ]: سأصارعك يا ركانة على ثلث مالك. وكان لديه [ركانة] غنم، هذا ركانة كان غنيًا ولديه قطيع من الغنم، قطعان من الغنم. قال له: حسنًا، هذه المعركة محسومة، فأنا سأمسكه وأضربه.

النبي يصرع ركانة ثلاث مرات فيشهد ركانة بالإسلام

فوافق ركانة المسكين، فأخذه النبي بحركة كذلك فأوقعه صريعًا صلى الله عليه وسلم. فقال له [ركانة]: أخذتني على غرة! مثل الأطفال.

فقال له [النبي ﷺ]: قم مرة أخرى على الثلث الثاني من مالك. فقام فصرعه. فقال [ركانة]: أخذتني على غرة! فقال [النبي ﷺ]: قم على الثلث الأخير من مالك. فقام فصرعه صلى الله عليه وسلم.

قال [ركانة]: محمد ما فعلها في أحد من البشر! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال ركانة [للنبي ﷺ]: ما لك يا رسول الله [أي خذ مالك]. عليه الصلاة والسلام.

صفات النبي الشجاع القوي الذي لم يضرب أحدًا قط والصلاة عليه

هذا الشجاع الجريء القوي البطل، هذا المحارب المقاتل الذي لا يقبل على نفسه ولا على أمته الضيم، لم يضرب أحدًا قط بيده، لا غلامًا ولا [أحدًا]. على سيدنا محمد صلاة وسلام دائمان أبديان.

اللهم صلِّ عليه في الأولين، وصلِّ وسلِّم عليه في الآخرين، وصلِّ وسلِّم عليه في كل وقت وحين، وصلِّ وسلِّم عليه يا رب العالمين في العالمين، وآله الأخيار وأصحابه الأطهار وأتباعه الأبرار إلى يوم الدين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.