سورة البقرة | حـ 151 | آية 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 151 | آية 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يتحدث النص عن الإعجاز القرآني في قوله تعالى "سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها".
  • كلمة "سيقول" تشير إلى المستقبل، مما يدل على إخبار القرآن بأمر لم يحدث بعد، وهذا من دلائل صدق الرسالة.
  • عندما كان النبي في مكة، كان يصلي مستقبلاً الكعبة وبيت المقدس معاً بوقوفه في موضع يحقق ذلك.
  • لما هاجر إلى المدينة، أصبحت الكعبة في الجنوب وبيت المقدس في الشمال، فتوجه إلى بيت المقدس ثم دعا ربه.
  • استجاب الله لدعائه وحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.
  • السفهاء هم جمع سفيه، وهي صيغة مبالغة من سافه، والسفيه ضد العاقل.
  • السفيه لا عقل له، إما مبذر أو بليد أو غبي أو متبع لهواه.
  • أسئلة الناس نوعان: أسئلة فيها عقل تُطرح لتحصيل المنفعة والمعرفة، وأسئلة فيها سفه تُطرح للجدال والمراء.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان إعجاز القرآن في سورة البقرة مطلع الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، في مطلع الجزء الثاني من القرآن الكريم، يقول ربنا سبحانه وتعالى آية ومعجزة من معجزات القرآن، ومن معجزات الرسول الصادق الأمين المؤيَّد من ربه، من رب العالمين.

إعجاز القرآن في الإخبار بالمستقبل بقوله سيقول السفهاء من الناس

﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 142]

"سَيَقُولُ" يعني في المستقبل، أي سوف يقولون؛ لم يكونوا قد قالوا [بعدُ]. فلنفترض أنهم لم يقولوا، لكان ذلك عارًا لسيدنا محمد ﷺ، ولكنهم قالوا.

فمن الذي يحرّك الألسنة والقلوب سلبًا وإيجابًا؟ هذا [الإخبار بالغيب] يخبرك بأن شيئًا سيحدث. كان بإمكان المشركين أن يضبطوا أنفسهم من أجل بيان خطأ ما يقوم به محمد ﷺ [من الإخبار بالمستقبل].

مثال إعجازي من سورة المسد وعلم الله بأن أبا لهب لن يسلم

يتساءلون: كيف يكون الأمر؟ مثل قوله تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]

فيقولون: افترض أن أبا لهب قد أسلم، فماذا كان سيحدث؟ هل كنا سنحذف الآية أم ماذا؟ إن الذي أنزل القرآن هو علّام الغيوب الذي يعلم أن أبا لهب لن يُسلم، لن يحدث [ذلك].

قال [قائل]: فلنفترض أنه أسلم، فلنفترض أنه أسلم ولو بالعِناد هكذا، قال لهم هكذا: فأنا مسلم. لم يحدث؛ لأنه لا يصلح [أن يحدث]. انظر كيف يعمل التأييد [الإلهي]! هو [الله سبحانه وتعالى، وليس] محمد ﷺ [الذي] كان يُمسك بأخلاق الناس ويُمسك بقلوبهم.

تحقق النبوءة القرآنية بقول السفهاء والرد عليهم بأمر إلهي

﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 142]

لقد قالوها فعلًا، لم يسكتوا:

﴿مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]

قل [يا محمد]، حينئذ يعني عندما يقولون هكذا ردّ عليهم. قال [الله تعالى]: "سيقول السفهاء"، لكنه لم يقل "قال السفهاء".

قال: حسنًا، يردّ عليهم [بصيغة المستقبل]. وقالوا [في موضع آخر]:

﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 275]

قالوا هكذا [بصيغة الماضي].

﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135]

قالوا هكذا [بصيغة الماضي]. هذا ماضٍ، لكن هنا ماذا؟ "سيقول"، و"سيقول" السين تدخل على المضارع فتحوّله إلى المستقبل، أي تجعله دالًّا على المستقبل، أي لم يقولوا لهم بعدُ شيئًا.

قبلة النبي في مكة بين الكعبة وبيت المقدس والجمع بين الحسنيين

﴿مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]

أي: أيّ شيء جعلهم يتركون بيت المقدس ويتوجّهون إلى الكعبة؟

هو في الحقيقة سيدنا محمد ﷺ لمّا كان في مكة وكان يصلّي، كان يقف فيجعل الكعبة أمامه يستقبل بها بيت المقدس. هذا يعني أنه يبقى مستقبلًا الكعبة وبيت المقدس معًا؛ ما هو [أنّ الكعبة لها] ركنان يمانيّان اللذان فيهما الحجر الأسود والركن الآخر، وركنان شاميّان يعني متوجّهان إلى الشام اللذان فيهما حِجر إسماعيل أو الحِجر كما يقول بعضهم.

فيجعل [النبي ﷺ] يأتي عند الركنين اليمانيّين ويصلّي، يجعل الكعبة بين يديه هكذا، هو يبقى متوجّهًا إلى الكعبة فإلى بيت المقدس [في آنٍ واحد].

انتقال النبي إلى المدينة وتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة

فلمّا ذهب [النبي ﷺ] إلى المدينة حُرِم صلى الله عليه وسلم من ذلك، من الجمع بين الحسنيين: التوجّه إلى الكعبة التي هي محلّ نظر الله، التي هي من بناء سيدنا إبراهيم [عليه السلام]، والتوجّه إلى بيت المقدس الذي هو مهبط الرسالات ومقصد الأنبياء والمقدّس عند المسلمين.

فلمّا ذهب إلى المدينة فأصبحت الكعبة في الجنوب؛ لأن المدينة شمال مكة، فتبقى مكة جنوب المدينة، وأصبح بيت المقدس في الشمال. فتوجّه إلى بيت المقدس لأنها القبلة الأصلية، أولى القبلتين.

لكنه ﷺ دعا ربّه وأخذ وألحّ في الدعاء — وسنرى الآن كيف كان ذلك — حتى استجاب الله له. فلمّا استجاب الله له حوّل القبلة، فاستدبر بيت المقدس واستقبل الكعبة المشرّفة المعظّمة، شرّفها الله وعظّمها أبد الآبدين إلى يوم الدين، وشرّف من شرّفها وزارها وعظّمها ونظر إليها، والنظر إلى الكعبة عبادة، وزاده الله شرفًا وتعظيمًا في الدنيا والآخرة.

معنى السفهاء لغويًا وصيغة المبالغة في فعيل وأمثلتها

﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 142]

السفهاء جمع سفيه. والعلماء قالوا: "علماء" جمع عليم وليس عالِم، انتبه! و"فعيل" هذه صيغة مبالغة.

  • سَفِهَ نفسَه يصبح "سافهًا"، ولكن عندما يزداد في السفه يصبح "سفيهًا".
  • فَقِهَ أو فَقُهَ يصبح "فاقهًا"، ولكن عندما يصير الفقه له سجيّة يصبح "فقيهًا".
  • عَلِمَ يصبح "عالِمًا"، ولكن عندما يصبح [العلم] أي علامة كبيرًا قويًّا يصبح "عليمًا".

وجمع عليم وفقيه: فقهاء وعلماء، وجمع سفيه: سفهاء.

عندما نرى كلمة "السفهاء" هذه ونحلّلها فإنها صيغة مبالغة؛ لأنه سفيه أي "فعيل"، و"فعيل" تُطلق ويُشتقّ منها اسم الفاعل "سافه" أيضًا.

صفات السفيه وأنواع الأسئلة بين السفه والعقل والفرق بينهما

ومن السفيه هذا؟ لا عقل له؛ إمّا نراه مبذّرًا، وإمّا نراه بليدًا، وإمّا نراه غبيًّا، وإمّا نراه يتّبع أهواءه وانطباعاته. سفيه!

فالسفيه إذن ضدّ العاقل. والعاقل خصم نفسه، والعاقل يطلب البرهان والدليل، والعاقل يبحث عن الحق، هذا هو العاقل، والعاقل منصف. فيكون السفيه بعكس كل ذلك.

﴿مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]

فيكون هذا السؤال سؤال سفيه أم سؤال عاقل؟ هذا سؤال سفيه. فتكون الأسئلة على نوعين: أسئلة فيها سفه وأسئلة فيها عقل.

الأسئلة التي فيها العقل هو السؤال الذي تريد الإجابة عنه من أجل المنفعة والمصلحة وعمارة الدنيا، أن تتطوّروا وأن تتقدّموا وأن تعلموا الحق. والسفه أن تجادلوا وأن تُماروا وتعملوا هكذا منظرًا.

فهذا يحتاج إلى بيان، فإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.