سورة البقرة | حـ 136 | آية 127 : 128 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 136 | آية 127 : 128 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت، مما يُظهر أن المساجد ينبغي أن تكون لله وحده، لا لنصرة أشخاص أو مصالح أو جماعات.
  • يجب بناء المساجد متينة في الظاهر والباطن، فالبنيان يكون قوياً، والصلة بالله خالصة.
  • قول "ربنا تقبل منا" يشير إلى أن العمل قد يكون خالصاً أو غير خالص، فبناء المسجد قد يكون للتفريق كمسجد الضرار، وقد يكون لتجميع الكلمة.
  • في الدعاء تواضع والتجاء إلى الله، فهو السميع العليم الذي يستجيب ويعلم ما في القلوب.
  • قوله "التواب" تعني كثير قبول التوبة من العباد وكثير التوبة لعبادك، وليس أنه يتوب.
  • دعاء إبراهيم وإسماعيل "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا" أصبح من أدعية المؤمنين إلى يوم الدين.
  • استجاب الله دعاء إبراهيم بعد مئات السنين، فأصبح مُوقَّراً ومُتَّبَعاً إلى يومنا هذا.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

دعاء إبراهيم وإسماعيل عند رفع قواعد البيت الحرام

﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]

يبيّن لنا ربّنا هنا مسألة تتعلق بالتاريخ، لكنه يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؛ من أجل أن تكون هداية لنا. يبيّن لنا أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام هما اللذان رفعا القواعد من البيت [الحرام].

المساجد لله وحده ولا توجه لنصرة أشخاص أو جماعات

ونأخذ من ذلك أن بناء المساجد ينبغي أن يكون لله وحده، وأن المساجد لله:

﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]

وأن المساجد لا ينبغي أن توجّه في اتجاه لنصرة أشخاص، أو لنصرة مصالح، أو لنصرة جماعات، أو لنصرة حكّام، وإنما هي لله وحده؛ من أجل مصالح المسلمين المؤمنين، ومن أجل رعاية شؤونهم من خلال عبادة الله سبحانه وتعالى.

بناء المسجد يجب أن يكون متيناً في الظاهر والباطن

ينبّهنا ربّنا وهو يبيّن أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد رفعا القواعد، والقاعدة هي الأساس، أن نبني المسجد بصورة متينة في الظاهر والباطن.

أما في الظاهر فالبنيان يجب أن يأخذ حظّه ولا يكون هشًّا تذروه الرياح. وفي الباطن يجب أن تكون الصلة بالله فيه وحده.

أهمية الدعاء في المسجد وطلب القبول من الله تعالى

ربنا، دائمًا يدعو [إبراهيم عليه السلام]، وهو أهمّ شيء في المسجد: الدعاء لربّ العباد.

﴿تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ [البقرة: 127]

يدلّنا على أن العمل قد يكون خالصًا لوجهه [سبحانه وتعالى] وقد لا يكون؛ فقد يكون بناء المسجد للإضرار كمسجد ضرار وللتفريق بين المؤمنين، وقد يكون بناء المسجد لتجميع الكلمة ولمّ الشمل.

تحرير النية في العمل وطلب العون من الله على الإخلاص

قد يكون [العمل] خالصًا لله، وقد يكون في النية دَخَلٌ؛ حاجة كده دخلت النية تجعله لله سبعون بالمائة وللمنظرة ثلاثون في المائة.

طيب، وبعد ذلك قال له: حرّر النية. قال له: أنا أحرّرها كيف؟ قال له: أول شيء ترجع لله وتطلب منه تحرير النية الخاصة بك.

ماذا تعني؟ قال: تعني لا حول ولا قوة إلا بالله.

صلة التواضع والالتجاء إلى الله في دعاء إبراهيم عليه السلام

وهذه [الكلمة] فيها ما فيها؛ صلة محبوبة بين العبد وربّه في خطابه معه.

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ [البقرة: 127]

فيها تواضع، فيها التجاء إلى الله واحتماء بجنابه واللجوء إلى ملاذه سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]

السميع الذي يستجيب الدعاء، العليم بالنية وبما في القلوب؛ فتقبّل منا وصحّح نياتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

دعاء إبراهيم وإسماعيل بالإسلام لهما ولذريتهما وتعليم المناسك

﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128]

هو سماكم المسلمين من قبل. ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك.

وأرنا مناسكنا: أرنا يعني أخبرنا؛ أرنا في اللغة العربية معناها أخبرنا أو علّمنا بمناسكنا، ماذا نعمل هكذا.

تعليم الله ورسوله المناسك من الحج والعمرة والتوبة

علّمنا أن الصفا والمروة من شعائر الله:

﴿فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]

وعلّمنا أن الحج عرفة، وعلّمنا أننا في المشعر الحرام نبيت ثم نذهب إلى منى فنرجم إلى آخره. علّمنا الله ورسوله مناسكنا.

﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ [البقرة: 128]

﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التوبة: 118]

يجب أن يتوب الله عليك حتى تتوب.

﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128]

كثير قبول التوبة من عباده، وكثير التوبة لعباده.

الرد على من يجهل معنى اسم الله التواب ويعترض على الإسلام

واحد من المساكين المعترضين على الإسلام يقول لك: تواب؟ هذا يقولون إن ربنا يتوب؟ هذا أمرٌ لله! جهل العربية فانتهى الأمر وأصبح بلا هدف.

لكن هو لا يفهم أن تواب يعني أنه يقبل التوبة عن عباده ويغفر السيئات. فهمها المسكين أنه هو [الله] يتوب! من هذا؟ ربّ العالمين، هذا ذو الجلال والإكرام!

قال: حسنًا، ما أنا هو ما أنا أقول لك. نعم، ما أنت تقول لنا! جهل بالعربية، جهل بالديانة، جهل بالمعقول، جهل بالمنقول. أنت ترصّ الكلام.

التحذير من رص الكلام بلا معنى والرد على شبهات المشككين

خذوا حذركم يا إخواننا من رصّ الكلام؛ يرصّ كلمة بجانب كلمة بجانب كلمة ولا معنى لها.

انتبهوا! يقول لكم: "تبارك الله"، فمن الذي باركك؟ من الذي باركك؟ ويقول لكم:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ [الأحزاب: 56]

فهل ربنا يصلي للنبي؟ يرصّ كلامًا بجانب بعضه يا إخواننا، كلامًا بجانب بعضه لا علاقة له بالواقع.

مثال الهرم والكرتونة في بيان عبثية رص الكلام بلا فهم

وتذكّروا هذا المثال كثيرًا: من وقف أمام الهرم وقالوا له: يا كرتونة! ولكن أكثر منها، وظلّ يقفز مثل الفول في النار، إنه أنت كرتونة! مصمّم على أن هذا كرتونة.

وبالمناسبة هو لن يصبح كرتونًا أبدًا؛ هو حجر موجود منذ سبعة آلاف سنة، باقٍ هكذا هو، والسياح يذهبون لمشاهدته، وليس سيصبح كرتونًا أبدًا.

فالقرآن هكذا [كالهرم الراسخ]. يقول [المشكّك]: يرصّ الكلام هكذا بجانب بعضه البعض هكذا بلا معنى له.

بيان أن التواب قابل التوبة والصلاة على النبي هي الرحمة

تذكّر وأنت تسمع هذا الهراء: رصّ الكلام، رصّ الكلام والهذيان، هذيان ليس له أساس.

أصبحت "تواب" [تعني] قابل التوبة، أصبحت ماذا؟ كثير من أيّ كلام! والصلاة على النبي التي هي الرحمة يا حبيبي يا رسول الله، يقول عنها إنه هذا يصلّي له! مسكين، ندعو الله له بالإسلام.

دعاء إبراهيم وإسماعيل أصبح دعاء المؤمنين إلى يوم الدين

﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128]

دعاء أصبح من دعاء المؤمنين إلى يوم الدين، هذا الدعاء الذي علّمنا إياه سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام بنصّه وفصّه أو بالاقتباس منه.

الاقتباس من القرآن في الدعاء والتحول من المثنى إلى الجمع

﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128]

قوم يقولون: "ربنا واجعلنا مسلمين"، ما هما الاثنان [إبراهيم وإسماعيل] كانا يتكلمان فيتحوّلان من المثنى إلى الجمع.

﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128]

ندعوه كما هو. قوم هذا يسمّونه أيّ نوع اقتباس: أنه يأتي بالآية ويحوّل المثنى إلى جمع، يحوّل مثلًا الفعل الماضي إلى مضارع، ويحوّل الخطاب إلى متكلّم وهكذا. فكأنه يسترشد بالقرآن في دعائه لربّ العالمين؛ لأن الله أقرّه وأحبّه وبيّن لنا أنه يستجيب لهذا الدعاء.

استجابة الله لدعاء إبراهيم عليه السلام وأثره إلى يومنا هذا

فقد استجاب [الله] فعلًا لإبراهيم [عليه السلام] الذي كان قبل نبيّنا [محمد ﷺ] بمئات السنين، وإذا بنا نوقّره وننصره ونتعلّم منه إلى يومنا هذا.

فقد استجاب الله له الدعاء، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.