سورة البقرة | حـ 118 | آية 106 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 118 | آية 106 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يقرر الله تعالى في سورة البقرة حقيقة النسخ في الشرائع السماوية بقوله: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها".
  • النسخ يقع في الأحكام الفقهية وليس في العقائد، فالعقيدة واحدة لا تُنسخ عبر الرسالات.
  • شريعة عيسى عليه السلام نسخت بعض أحكام التوراة، وشريعة الإسلام نسخت ما قبلها من الشرائع.
  • المقصود بالنسخ هو تغيير الأحكام بما يلائم البشرية في زمانها، فيأتي الله بخير منها أو مثلها في تحقيق المصلحة.
  • حفظ الله القرآن الكريم والسنة النبوية بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية، فالقرآن محفوظ بأسانيد متصلة.
  • علم المسلمون التوثيق للكتاب والسنة، وفهموا كيفية فهمهما بلغة العرب الفصيحة.
  • إعجاز القرآن يتجلى في دقة ألفاظه وأنه المرجع الذي لا يختل، وكلما حاول أحد أن يضيف إليه شيئًا ظهر خطأ المضاف وصحة القرآن.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية النسخ من سورة البقرة وبيان معناها العام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]

هنا يقرر الله سبحانه حقيقة واقعة، وهو أنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب، وجعل لكل نبي شرعة ومنهاجًا:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]

النسخ بين الشرائع السماوية وثبات العقيدة عبر الرسالات

وهنا لما أنزل [الله] الكتاب هدىً ونورًا على موسى [عليه السلام]، جاء عيسى [عليه السلام] بعده بالبشارة بالإنجيل، فغيّر بعض الشرائع ولم يغيّر العقائد؛ فالعقيدة واحدة لا تُنسخ.

والذي يُنسخ هو الحكم الفقهي:

﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]

فأحلّ لهم بعض الذي حُرّم عليهم، ورفع عنهم بعض الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم.

ولما جاء سيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالشريعة الخاتمة التي لا تُنسخ بعد.

أمثلة على نسخ الأحكام بين الشرائع قبل نزول التوراة وبعدها

يعني هو [إبراهيم عليه السلام] لما تزوج تيوكاندا بزوجة عمران وكان ابن أخ لها، فإن ذلك كان [في زمن] إبراهيم سابقًا؛ لأن سيدنا موسى بالتوراة لم يأتِ بعد.

فنُسخت أحكام، نُسخت أحكام يعني ماذا؟ بين الشرائع [السماوية المتعاقبة].

فقال تعالى بعدما حكى قصة بني إسرائيل:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]

وفي قراءة أخرى: «أو نُنسِئها» أي نؤخرها.

﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ﴾ [البقرة: 106]

في التشريع الملائم للبشرية، أو مثلها على الأقل في تحقيق المصلحة ودرء المفسدة؛ أولى من جلب المصلحة، لأن الزمان يتغير وهكذا إلى آخره.

ختم النبوة وحفظ القرآن والسنة بالأسانيد المتصلة عبر الأجيال

ولكن ما دام الزمان يتغير بعد النبي [صلى الله عليه وسلم]، فإن:

قال رسول الله ﷺ: «بُعثتُ أنا والساعة كهاتين»

وأنا كذلك، انتهى الأمر، والبشرية قد بلغت وعرفت ما لا تحتاج بعده إلى معرفة في هذا الشأن. وأنزل [الله] من عنده كتابًا فحفظه على مستوى الأداء؛ ولذلك لم تتدخل فيه الأهواء، ولم تُحذف منه العبارات، ولم تُضَف إليه الآيات.

حُفظ الكتاب:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

حُفظ الكتاب وحُفظت السنة بما لم يحدث في تاريخ البشرية؛ فالكتاب له سند متصل قرأناه عن مشايخنا جيلًا بعد جيل، والسنة لها أسانيد متصلة قرأناها على مشايخنا جيلًا بعد جيل.

تفرد المسلمين بعلم التوثيق وحفظ الكتاب والسنة بالأسانيد

لم يحدث هذا [في غير الإسلام]، لا يوجد شيء يُسمى أسانيد وما شابه ذلك في غير الإسلام. المسلمون وفّقهم الله سبحانه وتعالى إلى علم التوثيق كتابًا وسنة، فحفظ الله علينا الذكر والحمد لله رب العالمين كتابًا وسنة.

وفهّمنا كيف نفهم هذا الكتاب وهذه السنة، فجعلها بأحسن لغة وأقدر لغة على البيان وهي لغة العرب.

ولذلك رأينا العلماء يتوسعون في جلب ألفاظها ومعانيها وتشقيقاتها واشتقاقاتها وتراكيبها بما لم يحدث في لغة قط، وهي لغة راقية عالية صافية نقية، أنزل الله بها كتابه وبيّنه للعلماء، من غير سرّ فيه إلا ما يؤتيه الله لعبد من عباده يفتح عليه فتوح العارفين به سبحانه وتعالى.

معنى النسخ في القرآن هو نسخ الشرائع السابقة لا نسخ آيات القرآن بعضها بعضًا

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: 106]

يعني ذلك الذي حدث عبر التاريخ؛ فنسخ الإسلام ما جاء قبله من المسيحية واليهودية، ونسخت المسيحية ما جاء قبلها من اليهودية، في أحكامه وليس في العقائد:

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]

إذن هذه أمة واحدة عبر التاريخ، من لدن آدم إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فيأتي [أحدهم] يقول لك: ما ننسخ من آية، يعني أن آيات القرآن ينسخ بعضها بعضًا؟

قال [العلماء المحققون] له: لا، آيات القرآن يُنسِئ بعضها بعضًا [أي يؤخر ويخصص]؛ فالنسخ عند الأقدمين من المسلمين بمعنى التخصيص، أنه في آية تخصص آية أخرى. عندما يأتي ربنا يأمرني بعتق رقبة، وبعد ذلك مرة أخرى يقول لي: رقبة مؤمنة، فقد خصّص الرقبة بأنها تكون مؤمنة.

التحدي بالقرآن لا بأقوال المفسرين والرد على من يناقض الكتاب

ويأتون بأشياء خارج الكتاب من أجل مناقضة الكتاب! يقول لك: هذا قال الطبري، قال البيضاوي، قال لا أعرف من.

وهذا يدل على إعجاز الكتاب. نحن الآن ونحن نتحدى الأمم، نتحداها بالكتاب أم نتحداها بالبيضاوي؟ هذا ربما أكثر المسلمين لا يعرفون من هو البيضاوي، وأكثر المسلمين لو قلت لهم الطبري يقول لك: يعني الطبري من؟ يعني من أخونا الطبري هذا؟ ما يعرفونه.

ولكن لو قلت له المصحف لعرفه، المصحف يعرفه. ولو قلت له ربنا لا يعرفه [أي لا يعرف أحدًا لا يعرف ربه]، جيدًا جدًا يصلي له في اليوم خمس صلوات. فلو قلت له محمد بن عبد الله سيدنا، تقول له صلى الله عليه وسلم، يعرفه جيدًا.

القرآن لم يقل ما ننسخ من آية في القرآن بل هو تحدٍّ مطلق

فلماذا يأتي لي [أحدهم] من الشرق والغرب؟ لماذا يا متعوس والقرآن الكريم بين أيدينا؟ ما أنت عارف تأتي فيه بشيء، وكل ما أتيت فيه بشيء الناس تضحك عليك.

هو [الله] قال: ما ننسخ من آية في القرآن؟ انظر الإعجاز! أم قال:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]

أنت الآن، هذا الكتاب كلما جاء أحد ليفسره عبر التاريخ ويضيف كلمة، وتظهر الكلمة خاطئة والكتاب هو الصحيح، تظهر الكلمة خاطئة والكتاب هو الصحيح، تظهر الكلمة خاطئة والكتاب هو الصحيح.

أفليست هذه معجزة؟ هذا [الكتاب] لا يرضى أن يعرف أحد كيف يهدمه أبدًا.

التحدي بالقرآن لا بتاريخ المسلمين وأخطاء المفسرين تثبت قوة الكتاب

كافر أم غير كافر، لن يعرف أحد [كيف يهدم هذا الكتاب].

نحن نتحدى، بماذا؟ بالقرآن أم بتاريخ المسلمين؟ نتحدى بالقرآن أم بكلام المفسرين؟

هذا كلام المفسرين، حيث ما وقع فيه الخطأ يُثبت قوة القرآن الذي لم يقع فيه الخطأ. هذا كلما زاد كلمة والكلمة لم تكن في مكانها؛ لأنه [المفسر] غير معصوم، لأنه يُؤخذ من قوله ويُرد، يُبيّن جلال ما هنالك من كلام الله الذي لم يشتمل على تلك الكلمة التي ذهبت وجاءت وخالفت الواقع مقاربةً أو مباعدة.

يبقى هذا الكتاب الذي لا يرضى أن يختلّ في ألفاظه ولا حروفه ولا كلماته، هو الذي له الغلبة، أم كلام الأسفلين؟ لا، هو الذي له [الغلبة].

لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.