سورة البقرة | حـ 122 | آية 109 : 110 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 122 | آية 109 : 110 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يبين النص معنى آية "ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم".
  • رسم الله طريق الصبر والعفو والصفح للمسلمين في مواجهة أعدائهم حتى يأتي الله بأمره.
  • يجب على المسلم أن يهتم بنفسه ويتمسك بدينه عند محاربة الآخرين له.
  • الاستمرار على طريق الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخير هو منهج المواجهة الصحيح.
  • وعد الله المؤمنين بألا يضيع أجر من أحسن عملاً وأن لهم جنات الفردوس نزلاً.
  • ينبغي الثبات على العمل الصالح وعدم الإشراك بعبادة الله أحداً رغم محاولات الآخرين.
  • عند قول أهل الكتاب "لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى" وصفها الله بأنها أماني بلا برهان.
  • يحث الإسلام على المنهج العلمي وطلب الدليل بقوله "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".
  • لا ينفع اتباع الدين بلا تفكر أو دليل، فهذا دين يخاطب العالمين ويطالب بالبرهان والبحث العلمي.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية ود كثير من أهل الكتاب ردة المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع سورة البقرة، نعيش هذه اللحظات مع قوله تعالى:

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [البقرة: 109]

كثير وليس كل، ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ حال كونهم يعني حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق.

رسم الله طريق المواجهة بالعفو والصفح والصبر والدعوة

ورسم لنا الله الطريق؛ طريق الصبر، طريق الدعوة، طريق المثال الصالح:

﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]

ثم أمرنا أن نلتفت إلى أنفسنا، وأن لا ننسى أنفسنا حينما يحاربنا الناس، وحينما يريد الحاسدون الحاقدون أن يخرجونا من ديننا. بل يجب علينا أن نتمسك به، وأن نشغل أنفسنا بما أمرنا الله سبحانه وتعالى.

الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخير لله تعالى

فقال بعدها، و [هنا الواو] تفيد العطف:

﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110]

هذه الآية ترسم لنا كمال المنهج؛ أما بإزاء أولئك الذين شغلوا أنفسهم بالحسد والحقد والعدوان، فتكملة العفو والصفح تأتي بالاستمرار على طريق الله.

شكل طريق الله من إقامة الصلاة وذكره وفعل الخيرات

طريق الله هذا ما شكله؟

﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحج: 77]

﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110]

الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا ويجزي المؤمنين جنات الفردوس

لا يضيع أجر من أحسن عملًا:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 107-108]

﴿قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109]

﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِٓ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]

يعني لا يستجيب لهذا ولا ذاك في الأوهام التي يريد [بها العدو] أن يخرجك عن طريقك مع الله سبحانه وتعالى.

منهج المواجهة الشامل بالصفح والعفو وإقامة الصلاة ورجاء ثواب الله

الصفح والعفو، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفعل الخير، ورجاء ثواب ذلك عند الله البصير الذي لا يضيع أجر المحسنين، والذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا، والذي لا يضيع أجر من آمن وعمل صالحًا.

كل هذا هو منهج المواجهة حتى يأتي الله بأمره؛ إما بالهداية:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

وأما بالحكم بيننا فيما كنا فيه نختلف.

رجاء الله أن يجعل بين المؤمنين وأعدائهم مودة بالهداية

﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَٱللَّهُ قَدِيرٌ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: 7]

﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾، لماذا؟ إذن بالهداية؛ يهديهم.

أمعقول تتركها لله؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! ما عليك إلا البلاغ:

قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عنِّي ولو آية»

تقول هكذا: لا إله إلا الله، وتلقيها كلمة تأخذ بعضك وتمضي.

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]

كيفية المواجهة التي رسمها الله بالعفو والصفح وفعل الخيرات

فكيف تكون المواجهة؟ هاهو ربنا سبحانه وتعالى أوجدها لنا. يأتي أحد فيأخذ لا أحاديث [بل] آيات فيها نوع من أنواع الدفاع عن النفس ويضعها هنا [في غير موضعها]، فما هذا إلا صريح مريح.

فهو [القرآن] يشرح لي بالضبط ما سيكون وما سيفعلون، وأنهم بعدما يأمرهم أنبياؤهم بما أمروهم لن يستجيبوا لهم. ولكن عندما يفعلون ذلك يجب أن يكونوا في مأمن منا نحن أهل العفو والصفح وفعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

خطورة الجهل بمنهج الله وضرورة فهم مراده لنصرة المؤمنين

فإذا جهلنا هذا [المنهج الرباني في المواجهة] كنا أمثالهم ولا فرق بيننا وبينهم، وهذا في منتهى الخطورة.

فكيف ينصرنا الله سبحانه وتعالى؟ كيف يؤيدنا؟ كيف يقف معنا في دعوتنا ونحن نجهل مراده؟

اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، وأنزل السكينة على قلوبنا، وعلّمنا مرادك يا أرحم الراحمين.

ادعاء أهل الكتاب احتكار الجنة والرد عليهم بطلب البرهان

قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ [البقرة: 111]

يحجرون على رحمة الله! كل واحد يظن في نفسه سلطانًا.

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 111]

هذه أمانيّ، هذه أشياء أنتم تقولونها بألسنتكم هكذا، لم يُنزل الله بها من سلطان. أرشدكم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ووجدتموه صريحًا في الكتب، فبحثتم، درستم، ترجمتم، عملتم، سوّيتم... حسنًا.

شرح كلمة أمانيهم لغويًا وتوضيح معنى الأثافي في اللغة العربية

تلك أمانيّهم، تعمل مثل الأضاحي والأثافي، وهي ثلاثة بالتخفيف والتشديد: أُمنية أو أُمنيّة، أُضحية أو أُضحيّة، أُثفية أو أُثفيّة.

ما الأُثفية؟ هذه حجر يضعونه عليه القِدر. يقول: ثلاثة الأثافي؛ حجر هكذا وحجر هكذا. كانوا قديمًا نطلق عليها كانون، فالكانون هذا هو ثلاثة الأثافي.

ما هي [الثالثة]؟ الجبل! فيأتي بجانب الجبل ويأتي واضعًا حجرًا وحجرًا لكي يُسند القِدر، والقِدر لا ينتصب إلا على ثلاثة: هذا حجر وهذا حجر، فما الثالث؟ جبل!

معنى المثل العربي ثالثة الأثافي وتطبيقه على كلمة أمانيهم

فعندما تفعل بصاحبك مقلبًا سيئًا يقول لك: هذه ثالثة الأثافي! ثالثة الأثافي يعني هذا هو الجبل؛ إذ أن الحجر الأول صغير والحجر الثاني صغير، لكن الحجر الثالث جبل!

فيقول لك: هذه هي الثالثة الأثافي أو الأثافي. أُضحية أو أُضحيّة، أُمنية أو أُمنيّة، فهو شدّدها هنا: أمانيّ.

المنهج العلمي في الإسلام يطالب بالبرهان والدليل لا بالأماني

يقول:

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 111]

علّمنا إذن في المنهج العلمي:

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]

قل هاتوا برهانكم! أين البرهان الخاص بك؟ أين الدليل؟

هناك أناس يقولون لك: لا تفكّر، لا تأتِ بأدلة ولا شيء، هو فقط القلب هكذا. لا ينفعنا يا إخواننا! هذا دين خاتم يخاطب العالمين إلى يوم الدين، ويطالب العالم كله بالدليل وبالبرهان وبالبحث العلمي.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.