سورة البقرة | حـ 138 | آية 130 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 138 | آية 130 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يوضح النص معنى قول الله تعالى "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه" بتبيان الفرق بين حرفي الجر "في" و"عن" مع الفعل "يرغب".
  • الرغبة في الشيء تعني طلبه وإرادته، بينما الرغبة عنه تعني الإعراض والهروب منه.
  • قسم الناس إلى صنفين: من زكى نفسه فيرغب في ملة إبراهيم، ومن سفه نفسه فيرغب عنها.
  • السفاهة تعني قلة العقل وتضييع الأهم مقابل الأقل أهمية، كتضييع رضا الله ونعيم الآخرة مقابل متع الدنيا الزائلة.
  • الدنيا ناقصة دائماً، فصاحب المال قد يفقد الصحة، وصاحب الصحة قد يفقد المال، وصاحبهما معاً قد يفقد الاطمئنان.
  • يربط الله بين اتباع ملة إبراهيم وتزكية النفس، وبين رفضها وسفاهة النفس.
  • قصص القرآن حقائق تاريخية نستفيد منها الهداية والاعتبار.
  • الرسول محمد ﷺ ثبت وجوده بالأدلة الحسية المادية التي لا تزال باقية حتى اليوم.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة الدرس والصلاة على النبي وطلب الهداية من القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نطلب منه الهدى.

تفسير قوله تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه

في سورة البقرة يقول ربنا سبحانه، بعد أن ذكر إبراهيم ﵇ وهو أبو الأنبياء وجد العرب، والذي رفع القواعد مع ابنه إسماعيل للبيت الحرام الذي هو مقصد لكل المؤمنين والذي هو قبلة للمسلمين:

﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [البقرة: 130]

الفرق بين «يرغب في» و«يرغب عن»: إذ إن حرف الجر إذا اختلف يختلف معنى الفعل؛ فـ«يرغب في» أن يريده ويطلبه ويقصده ويرجوه، أما «يرغب عن» فقد اختلف حرف الجر، فإن كان الإنسان يطلب هذا الشيء «عن» يولي عنه نفسه في الاتجاه الآخر.

إذن «يرغب في» يعني طالبًا، و«يرغب عن» يعني رافضًا هاربًا وليس طالبًا؛ هرب من، وطلب ورغبة عن رغبة في.

صنفا الناس بين الرغبة في ملة إبراهيم والرغبة عنها وعلاقة ذلك بتزكية النفس

﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]

إذن من زكّى نفسه، وهي ضد السفاهة، يرغب في ملة إبراهيم. يبقى لدينا صنفان من الناس:

  1. صنف يرغب في ملة إبراهيم.
  2. وصنف يرغب عن ملة إبراهيم.

إلا من زكّى نفسه وصدق، يرغب عن ملة إبراهيم، ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه.

ربط الله سبحانه وتعالى بين التزكية والسفاهة، وهي قلة العقل؛ إذ تضيع الأكبر في مقابل الأقل، وتضيع رضا الله في مقابل شهوات الدنيا، وتضيع نعيم الآخرة بنعيم الدنيا في مقابل تحصيل بعض نعيم الدنيا.

لا أحد يحصّل الدنيا كاملة فكيف يُباع الآخرة بهذا القليل

لا يوجد أحد حصل على الدنيا أبدًا ولن يكون؛ لا بد من كدر: الذي معه مال فاقد الصحة، والذي معه صحة فاقد المال، والذي معه الاثنان فاقد الاطمئنان، وهكذا لا يوجد أحد حصل.

والذي معه مال، معه مال يشبع به شهواته، ليس مالًا كثيرًا، هذه أشياء قليلة. وهكذا إذن لن يُحصِّل أحد الدنيا، سيحصِّل بعض الدنيا والستر.

أفتبيع الآخرة وتشتري هذا القليل، بل هو أقل القليل؟ تكون غباوة، وتكون سفاهة نفس، وتكون قلة عقل.

الحل هو اتباع ملة إبراهيم حنيفًا وعلاقته بتزكية النفس وتمام الإيمان

فماذا نفعل؟ قال: لا بد عليك أولًا أن تتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين.

﴿ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123]

فيكون في أمر؛ فمن اتبع ملة إبراهيم فقد زكّى نفسه، ومن رغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه.

إذن الآية هنا تفيدنا في الهداية أنه ربط الله سبحانه وتعالى بين سفاهة النفس وبين رفض ملة إبراهيم، ومن هنا فقد ربط بين الرغبة في ملة إبراهيم وإرادتها مع تمام العقل وتمام الهداية وتمام الإيمان.

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُٓ﴾ [الممتحنة: 4]

انظر القرآن ها هو يفسر بعضه بعضًا؛ إذا أردت أن تزكي نفسك فاتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين.

قصص القرآن حقيقة تاريخية وهداية معًا والرد على من أنكر وجود إبراهيم

وعلى فكرة:

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُٓ﴾ [الممتحنة: 4]

ينبهنا إلى أن قصة إبراهيم التي في القرآن لم تنزل من أجل أن تثبت أحداثًا تاريخية فحسب؛ لأن بعضهم قال إن قصص القرآن لا حقيقة لها، لا حقيقة لها، وإنما من أجل الاعتبار والهداية.

[والصحيح أنها] هي حقيقة في ذاتها، وفي الوقت نفسه نأخذ منها الهداية. هل هذا يناقض ذاك؟

قالوا إن إبراهيم أصلًا ليس له وجود في المخطوطات، هذه النقوش والكتابات. قالوا إن الآثار الفرعونية التي تخص الكلدانيين أو أهل أور الكلدانيين ليس له علاقة بها.

هل إبراهيم كان ملكًا؟ كان رمسيس مثلًا أو تحتمس؟ ليس له علاقة بذلك؛ لأن هذه أشياء صُنعت للملوك. ثانيًا، من الذي له [وجود في السجلات]؟ موسى ليس له، ولا عيسى له؛ لأنهم لم يجدوه في السجلات الرومانية.

النبي ﷺ هو الوحيد الثابت بالأدلة الحسية من شعره وسيفه وقبره وذريته

إذن من الذي ثبت بالأمور الحسية؟ ما يوجد إلا سيد الخلق ﷺ فقط، هو الذي ثبت بالأمور الحسية.

شعره موجود في الحجرة النبوية، وفي [ضريح] سيدنا الحسين محفوظة فيها الآثار النبوية من شعره ومكحلته، ومحفوظ فيها سيفه، ومحفوظ فيها قطعة من العصا لا تزال باقية، وقطعة من البردة التي كان يرتديها [وهي] العباءة. وفي توبكابي في تركيا موجودة، وفي متحف بروناي موجود قطعة من العمامة.

طيب، وهو أين وُلد؟ وُلد أمام سوق الليل في مكة، معروف المكان، اسمه مولد النبي ﷺ. طيب، هو مات أين؟ في المدينة، وقبره أين؟ ها هو، وتحت القبة الخضراء — قبة زرقاء — صلى الله عليه وسلم.

محسوس، ليس في المخربشات فحسب، بل إن أولاده موجودون بيننا؛ ونحن جالسون هكذا تجد واحدًا من آل البيت. هذه ليست قصة.

وأين إذن القبور؟ آه، يمكن أن يكون هذا، يمكن أن يكون هذا، لكن هذا القطعي فحسب.

وبعد ذلك، وبعد ذلك، سيدنا رسول الله ﷺ لأنه قطعي أخبرنا عن هؤلاء [الأنبياء] فصدقناه؛ فثبوتهم من ثبوته، وإحقاقهم من إحقاقه صلى الله عليه وسلم، وهو سيدهم.