سورة البقرة | حـ 150 | آية 142 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءاً أمر حادث قام به المسلمون في القرن الثاني الهجري بناءً على عدد الحروف.
- •الأجزاء متساوية تقريباً في عدد الحروف، مع بعض الاختلافات لاعتبارات تتعلق بمواضع انتهاء الآيات.
- •الغرض من التقسيم أن يختم المسلم القرآن في شهر بقراءة جزء يومياً.
- •أول من قسم المصحف هو أبو بكر بن عياش، أحد رواة قراءة عاصم بن أبي النجود.
- •المصحف المدني الذي بين أيدينا يتكون من أجزاء، كل جزء في عشرين صفحة، وكل صفحة تبدأ بآية وتنتهي بآية.
- •قسم العلماء كل صفحة إلى خمسة عشر سطراً استناداً لحديث "من حفظ القرآن خمسة خمسة لم ينسه".
- •قسموا الجزء إلى حزبين، وكل حزب إلى أربعة أرباع، ليصبح الجزء ثمانية أثمان.
- •قسم بعض العلماء الهنود القرآن بطريقة الركوعات، فجعلوا كل عشر آيات ركوعاً.
مقدمة الحلقة والتعريف بسورة البقرة وافتتاح الجزء الثاني من القرآن
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق في سورة البقرة.
يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى في افتتاح الجزء الثاني من أجزاء القرآن الثلاثين، التي قسّمها المسلمون في القرن الثاني الهجري على عدد الحروف؛ أي عدّوا حروف القرآن وقسّموها إلى ثلاثين جزءًا، كل جزء يساوي الجزء الذي يليه تقريبًا في عدد الحروف.
أسباب التفاوت البسيط في عدد حروف الأجزاء الثلاثين
وحين قلنا تقريبًا؛ لأنه يمكن أن يأتي [موضع التقسيم] في وسط الآية، فلا يستطيع أن يجعله بداية جزء، فجعله في الآية التي تليها. أو أنه يأتي على آية يُستحسن أن نصلها بما بعدها، فيأخذ الآية التي تليها. أو أنه يأتي وقد بقي آية فيُكملها، أو آيتين فيتركها.
ولذلك فإن الأجزاء متساوية في عدد الحروف غالبًا وليس دائمًا؛ لهذه الأسباب [المتعلقة بـ] أسباب التقسيم.
الغرض من تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءًا وأول من فعل ذلك
وكان غرضهم [من هذا التقسيم] أن يختم الإنسان المصحف في شهر، بأن يقرأ كل يوم جزءًا. وقيل إن أول من فعل هذا [التقسيم] هو أبو بكر بن عيّاش رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وابن عيّاش هو أحد الرواة عن عاصم بن أبي النَّجود، والراوي الثاني هو حفص الذي نقرأ به القرآن ويُطبع به المصحف، على قراءة حفص بن سليمان عن عاصم بن أبي النَّجود.
مكانة أبي بكر بن عياش العلمية ودور القراء في خدمة القرآن
والراوي الثاني هو أبو بكر بن عيّاش رضي الله تعالى عن الجميع، وكان قارئًا متقنًا وإمامًا بدرًا؛ يعني كأن الأئمة الكبار كعاصم شيخه شمسٌ، وهو ما هو يأخذ من عاصم كما يأخذ البدر من الشمس.
فكان بدرًا، ففي البدور عددهم عشرون، وفي الشموس عددهم عشرة. وهذه القراءات يفسّر بعضها بعضًا. قاموا هؤلاء [القرّاء] في عصورهم لخدمة القرآن بتوفيق الله؛ فإن من حفظ القرآن هو الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
تجزئة القرآن أمر حادث ومصحف الدار كنار وخصائصه
وعلى ذلك فإن تجزئة القرآن إلى ثلاثين جزءًا إنما هو أمر حادث [ليس من عهد النبوة]، وقد تفنّن المسلمون في هذه الأجزاء.
والمصحف الذي بين أيدينا الآن يُسمّى بـالدار كنار، وفيه كل جزء في عشرين صفحة، وكل صفحة تبدأ بآية وتنتهي بآية، فلا تجد فيه آية مقسومة بين اليمين والشمال، بل تجد الصفحة مستقلة تبدأ بآية وتنتهي بآية.
تقسيم الصفحة إلى خمسة عشر سطرًا استنادًا إلى حديث الحفظ خمسًا خمسًا
وجعلوه خمسة عشر سطرًا، جعلوه خمسة عشر سطرًا حتى يحفظ الحافظ خمسة أسطر في كل مرة؛ لحديث رواه البيهقي:
«من حفظ القرآن خمسًا خمسًا لم ينسه»
فهل هو حفظ الآيات أم هو حفظ السطور؟ خلاف [بين العلماء]. وإنما الحديث هكذا يقول فيما أخرجه البيهقي: «من حفظ القرآن خمسًا خمسًا لم ينسه»، ووجدوه صحيحًا ففعلوه.
أثر الدين في الحضارة من خلال خدمة المصحف بالخط والتقسيم الحسن
انظروا إلى كيف يؤثر الدين في الحضارة؛ كونهم يخدمون الكتاب بالخط الجميل وبالتقسيم الحسن الذي وراءه رؤية أنه يريد أن يقسم هذا القرآن لتنتهي منه في ثلاثين يومًا.
وبعد ذلك جُعل هناك حزب [نصف الجزء] على الحروف أيضًا؛ الحزب الأول في النهار والحزب الثاني بالليل، يبقى [لديك] الليل والنهار. وبعد ذلك قُسّم الحزب إلى أربعة أرباع، هذه الأرباع الأربعة يصبح معك ثمانية أرباع في كل جزء.
كيفية توزيع قراءة الجزء على الصلوات الخمس في اليوم الواحد
فتستطيع أن تقرأه ربعًا في الثماني ركعات، وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ لأننا نقرأ في الركعتين الأوليين.
nعم، وتأتي في الفجر فتقرأ في الركعتين الجزء كله مرة أخرى، يكون كأنك قرأت في اليوم الجزء مرتين.
تقسيم القرآن إلى ركوعات عند علماء الهند وطريقة حسابها
وبعد ذلك الجماعة الهنود قالوا لك: لا، هذا ستة آلاف آية وزيادة، أنا كل عشر آيات سأعمل ركوعًا، ويعملونها هكذا.
كل عشر آيات يكون معي كم ركوعًا؟ معي ستمائة ركوع. قال: حسنًا، وأنا معي كم فرضًا في اليوم نقرأ فيه؟ قلت له: معي عشر ركعات؛ خمس صلوات في ركعتين فتكون عشرًا.
قال لي: حسنًا، عشر والسنة كم؟ قلت له: الفرض سبع عشرة والسنة سبع عشرة. قال لي: فتكون عشرًا أخرى. قلت له: جميل، فتكون إذن معي عشرون ركعة تحتاج إلى قراءة.
نتيجة تقسيم الركوعات على الصلوات لختم القرآن في شهر
قال لي: فتكون الستمائة على العشرين تأتي بكم؟ قال: يجب أن تأتي بـثلاثين. قال: الذين هم الشهر، الذين هم ما الشهر [ثلاثون يومًا].
يجب أن تحفظ هكذا: الركوع تأتي تقرأ ركوعًا وتركع، ركوعًا وتركع، ركوعًا وتركع، ركوعًا وتركع، تُنهي العشرين في اليوم عشرين ركوعًا. ثم تجد نفسك في الشهر قد أنهيت الستمائة التي هي كل ركوع عشرة [آيات]، فتكون ستة آلاف [آية]. تقسيم فادي [رائع]!
خلاصة معلومات تقسيم المصحف وبداية الجزء الثاني بآية تحويل القبلة
هذا بمناسبة انتهاء الجزء الأول نذكر هذه المعلومات، وقد سبق أن تكلمنا عن بعضها وعن هذا الحال الذي طُبع عليه المصحف حديثًا، وهو تقسيم قديم يُسمّى بـالدار كنار؛ أي في إطار طباعة الدار كنار الذي طُبع عليه مصحف الملك فهد، ثم شاع بعد ذلك في المطابع كلها.
قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]
هذا بداية الجزء الثاني، فإلى لقاء نستكمله في الحلقة القادمة إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة [الله وبركاته].
