سورة البقرة | حـ 171 | آية 152 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير الآية الكريمة "فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون" يوضح أن من ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه.
- •الملأ هم صفوة القوم وعليتهم، وينبغي ذكر الله أمامهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •الشيخ أمجد الزهاوي كان يصلي ركعتين في القصر الملكي ليذكر الملك فيصل بالله، فيميل قلب الملك إليه.
- •الشكر هو أساس العبادة، وبه بدأت الفاتحة "الحمد لله رب العالمين".
- •الكفر هو وضع النعمة في غير موضعها، كاستخدام البصر في النظر للحرام، واللسان في الكذب والغيبة.
- •قصة ابن عباس في ترك اعتكافه لقضاء حاجة أخيه، مستدلاً بحديث "من كان في أمر أخيه كان له أجر اعتكاف أربعين".
- •ذكر مشكلة تقصيرنا في البحث العلمي، وهذا من كفران النعمة التي أنعم الله بها علينا.
- •الدعوة للشكر وعدم الكفر بنعمة الله.
مقدمة الدرس وتلاوة آية فاذكروني أذكركم من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق مع سورة البقرة، في قوله تعالى:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
وقد سبق أن تحدثنا عن قوله ﴿اذْكُرُونِي﴾، وكيف بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نذكر الله تفصيلًا؛ حتى نكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.
أثر ذكر الله في الملأ وجزاء من ذكر الله أمام صفوة القوم
وما أثر ذلك في قوله ﴿اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟ لأن من ذكر الله في ملإٍ ذكره الله سبحانه وتعالى في ملإٍ خيرٍ منه. والملأ هم صفوة القوم وهم عِلْيَة القوم.
فكلما ذكر أحدنا ربه أمام الناس، خاصةً أمام صفوة القوم وهو يذكّرهم بالله، ذكر اللهُ ذلك الإنسان عنده؛ لأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
قصة الشيخ أمجد الزهاوي مع الملك فيصل في ذكر الله أمام الملأ
كان الشيخ أمجد الزهاوي وهو أحد العلماء العاملين في العراق أيام الملك فيصل فيها، وكان يريد دائمًا أن يُذكّر بالله. فكان إذا دخل للسُّدّة الملكية وجاء الملك، قال: انتظر حتى أصلي ركعتين في مكانٍ لا يُذكر فيه اسم الله. انتظر حتى أصلي له ركعتين في مكانٍ لا يُذكر فيه اسم الله.
يريد أن يقول له ماذا؟ اذكر الله كثيرًا. ويدخل في الصلاة، وبعد أن يصلي ركعتين تجد قلب الملك فيصل بن الحسين يميل إليه ويقول له: يا سيدنا هذه بركتك.
أهمية الأمر بالمعروف وذكر الله أمام أصحاب القرار والملأ
فـالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله سبحانه وتعالى كل وقتٍ وحين، حتى أمام الملأ -والملأ هم صفوة القوم وعِلْيَتهم ومن بهم أمر القرار- أمرٌ مهم.
وويلٌ لأقوامٍ لم تتناصح في أنفسها بذكر الله؛ بذكر الله تطمئن القلوب.
معنى الشكر لله وحقيقة كفر النعمة بوضعها في غير موضعها
قال تعالى:
﴿وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
والشكر هو الأساس والبداية، فبدأنا بها في الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا تكفرون؛ الكفر هو الستر، وكفر النعمة هو أن تضع النعمة في غير موضعها الذي خُلقت له.
فإذا وضعت نعمة البصر في النظر إلى الحرام فأنت قد كفرت بتلك النعمة. وإذا جعلت اللسان بدلًا من أن يذكر الله يشتغل بالكذب وشهادة الزور والغيبة والنميمة والفساد بين الناس والفساد في الأرض، أو بكلمة الكفر أو باللغو الذي لا معنى له، فأنت قد وضعته في غير موضعه.
فهذا إنما نُعلّم به الناس ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونُصلح به الأحوال، ولا نفعل أضداد ذلك.
كفر نعمة القدمين باستعمالهما في الإفساد وترك الإصلاح بين الناس
وإذا أنت استعملت قدميك في السعي بين الناس بالوقيعة وفي الإفساد في الأرض، أو لم تستعملهما في الصلح بين الناس وفي عمارة الأرض، فأنت تكون قد كفرت النعمة [نعمة القدمين التي أنعم الله بها عليك].
قصة ابن عباس في ترك الاعتكاف لقضاء حاجة أخيه المسلم
أتى لابن عباس [رضي الله عنهما] وكان معتكفًا عشرة أيام ولم يبقَ له إلا يومٌ أو يومان، أتاه رجلٌ في شفاعة [أي يطلب منه المساعدة في حاجة]. فقال ابن عباس: هيا بنا. قال [الرجل]: يعني ما جئتك لآخذك من اعتكافك، أكمل ما نويته ثم نسعى لحاجتنا.
قال [ابن عباس]: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«من كان في حاجة أخيه كان له أجر اعتكاف أربعين، ولا أدري أربعين يومًا أم شهرًا أم سنة»
وعلى كل حال الأربعون هذه أكثر من اليومين المتبقيين، فأين أذهب؟ أأعتكف يومين وأُضيّع على نفسي أربعين سنة اعتكاف؟ إن الطريق الذي سأسلكه معك هكذا، سأسلكه معك ولي أجر أربعين؛ إن كانت أربعون يومًا أيضًا أكثر، وإن كانت أربعين شهرًا جميل، أربعون سنة يا رب.
سبب إبهام النبي لمدة الأربعين واختلاف الأجر بحسب درجة الإخلاص
يقول أحدهم: فلماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ولم يُبيّن؟ لماذا؟
قال لك: لأن الناس تختلف في درجة إخلاصها في نياتها. فهناك من يحسبهم الله له أربعين يومًا؛ لأن نيته لم تكن بهذا القدر، كان هو ذاهبًا ويريد أيضًا الثواب وكل شيء، ولكنه كان متضايقًا في نفسه أنه يعني: ها نحن نقوم بخدمةٍ وانتهى الأمر.
أربعون شهرًا: هذا الذي يعملها من قلبه هكذا جيدًا. أربعون سنة: هذا الذي يتابع الخدمة ويسعى ويواصل ويُلحّ وراءها حتى تحدث. وهكذا، إذن تختلف الناس في الخدمة.
أهمية البحث العلمي وعدم كفران نعمة العلم التي أنعم الله بها علينا
ولكن أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الخدمة هكذا بهذا الشكل؛ لا نكفر نعمة الله.
مشكلتنا الآن البحث العلمي؛ البحث العلمي نحتاج إلى إعادة نظرٍ فيه، لأنه ما تقدّم الآخرون إلا به، وما نزلنا من الريادة والقيادة ومن وسط الجبل إلى سفحه إلا به وبعدم اهتمامنا بشأنه.
ولذلك أعدّ ذلك من الكفر بالنعمة؛ أن الله قد وضّح لنا وبيّن، ثم بعد ذلك نحن نُقصّر. علينا أن نشكر الله وألّا نكفره.
دعاء ختامي بأن يجعلنا الله من الحامدين الشاكرين والصلاة على النبي
اللهم اجعلنا من أولئك الحامدين الشاكرين لك، وأقمنا حيثما ترضى.
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
