سورة البقرة | حـ 177 | آية 157 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 177 | آية 157 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية الكريمة تبين فضل الصابرين وصفاتهم فهم ينالون صلوات من ربهم ورحمته، وهم المهتدون.
  • الصلاة من الله تعني الرحمة، ومن الملائكة تعني الدعاء، وقد جمع الله بينهما في قوله "إن الله وملائكته يصلون على النبي".
  • قوله تعالى "عليهم صلوات" وليس "لهم" يفيد التمكين، فالرحمة أحاطت بهم من جميع الجهات الست.
  • الصابر محاط برحمة الله حتى إنه لا يستطيع الخروج من فضل الله ولو أراد.
  • الله قد يمنع العبد من المعصية كرامة له، وقد يبدل سيئاته حسنات.
  • الرحمة المذكورة نوعان: رحمة تحيط بالصابر وتتمكن منه، ورحمة يحملها الصابر ليكون سبباً في رحمة الآخرين.
  • هذه كرامة كالتي نالها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رحمه الله وجعله رحمة للعالمين.
  • الصابر مقامه عظيم عند الله، وهو من المهتدين الذين يوفقهم الله ويبدل سيئاتهم حسنات.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية فضل الصابرين وصفتهم في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نستلهم منه الهدى والرشاد، ومع سورة البقرة مع قوله تعالى في شأن الصابرين، وبعد أن ذكر [الله سبحانه وتعالى] فضلهم وصفتهم:

﴿أُولَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 157]

يعني هؤلاء الصابرون عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون.

معنى الصلاة من الله على الصابرين ودخولهم في معيته تشريفًا وتكريمًا

الصابرون والله قد أدخلهم في معيته تشريفًا وتكريمًا لهم، عليهم صلوات. والصلاة من الله هي الرحمة، والصلاة من الملائكة هي الدعاء.

كما قال الله تعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ﴾ [الأحزاب: 56]

قال لك: يصلون، هذه لها معنى؛ ما [هو]؟ الرحمة والدعاء. عندما يقول إن الله وملائكته جمع بين الاثنين فأتى بكلمة واحدة، المعنى الأول يعود إلى الأول [وهو الله فيكون المعنى الرحمة]، والمعنى الثاني يعود إلى الثاني [وهو الملائكة فيكون المعنى الدعاء]؛ يبقى استعمل المشترك في معنيين.

معنى المشترك اللفظي في كلمة يصلون بين الرحمة والدعاء

يقول لك: يصلون مشترك. يعني ما هو المشترك؟ يعني كلمة واحدة ولها معنيان مختلفان: يرحم ويدعو.

هل الله يدعو أحدًا؟ لا، الله يرحم؛ إن الله يصلي على النبي بإنزال رحمته عليه.

طيب والملائكة؟ الملائكة تدعو؛ يبقى إن الملائكة يصلون على النبي بدعائهم له.

طيب "يصلوا" هنا في الآية تعني ماذا؟ الرحمة أم تعني الدعاء؟ تعني الاثنين. لماذا؟ لأنه ذكر الاثنين: الله والملائكة.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

يعني ادعوا له وسلموا تسليمًا. فاللهم صلِّ على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد.

دلالة حرف عليهم على التمكين وإحاطة الرحمة بالصابرين من جميع الجهات

أولئك عليهم وليس "لهم"؛ لم يقل أولئك لهم. يبقى هو [سبحانه وتعالى] جلب لهم الرحمة وأعطاها لهم هكذا، أم عليهم؟ قال [العلماء]: تفيد التمكين.

يعني ماذا [التمكين]؟ انتبه، عندما أغلف قطعة شبكة هكذا وأعطيها لك في يدك، يبقى أنا أعطيت لك الشبكة، ولكن الآخر بسط الشبكة ووضعها عليك، فتبقى أنت داخل الشبكة.

أي ما معنى ذلك؟ من جميع جهاتك من الجهات الست: فأمامك رحمة، وعن يمينك رحمة، وعن يسارك رحمة، وخلفك رحمة، وفوقك رحمة، وتحتك رحمة.

هل يوجد شيء أجمل من ذلك؟ أولئك عليهم وليس "إليهم" وليس "لهم"، أولئك عليهم؛ فتبقى عليهم وهذه تفيد التمكين، أي أن الرحمة تمكنت منهم.

معنى تمكن الرحمة من الصابرين وعدم استطاعتهم الخروج من فضل الله

عندما يكون شيئًا في يدي ويأتي أحد يخطفها مني أو تسقط، فلا يبقى فيها تمكين. ولكن عندما أكون داخل الشبكة [شبكة الرحمة]، أعرف أين أذهب أنا إذا [أردت الخروج]؟

يعني أولئك عليهم صلوات، هذه تفيد شيئًا غريبًا جدًّا: أنك لا تستطيع أن تخرج من فضل الله عليك ولو أردت.

قال النبي ﷺ: «ومنكم من يُقاد إلى الجنة بالسلاسل»

يعني ربنا بصبرك يرضى عنك، حتى لو أردت أن تلعب هكذا، فأنت لا تعرف ما هذا [الذي يحدث لك من حفظ الله].

حفظ الله للصابرين من المعصية وتبديل سيئاتهم حسنات

تفكر أن تعصي هكذا، فأنت لا تعرف [أن الله يحفظك]. طيب، أنا أريد أن أرتكب هذه الشهوة، أنت لا تعرف [أن الله يمنعك]. لا، أنا أريد! ربنا لا يريد؛ فيمنعك من المعصية.

أرأيت أجمل من هذا؟ وبعد ذلك أنت تفيق لنفسك تقول: أنا ذاهب للمعصية، لا أجدها، لا أعرف كيف أفعلها! وأنت ذاهب لتفعل المعصية يبدل الله سيئاتك حسنات، فيجعل رحلتك هذه تفعل فيها الخير.

ما هذا؟ إنها كرامة للنبي عليه الصلاة والسلام.

﴿أُولَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: 157]

الرحمة الثانية في الآية وكون الصابر سببًا لرحمة الآخرين

طيب، الصلاة من الله هي الرحمة، نقول [ذلك]. ثم يأتي يقول ماذا؟ ورحمة.

الله لقد قلنا الصلاة [هي] الرحمة، وقلنا أنك ستتمكن منك الرحمة. أما الرحمة الثانية فما هي؟ قيل لك: الرحمة الثانية هذه فضل من الله منك إلى الخلق؛ فتكون أنت مرحومًا وربنا أقامك رحمة للآخرين.

أنت رُحِمت وانتهى الأمر، والرحمة تمكنت منك وأحاطت بك من جميع جهاتك، وخذ معك أيضًا رحمة ثانية.

ماذا أفعل بها؟ أحاطت الرحمة بي، أين أضعها؟ لا تضعها [لنفسك]، أعطها [للناس]؛ فتكون سبب رحمة.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

الوصول إلى كرامة النبي بأن يكون المؤمن رحمة كما كان النبي رحمة للعالمين

فتكون بذلك قد وصلت إلى كرامة النبي ﷺ. أليس كذلك؟ سيدنا محمد هكذا ربنا أكرمه، ويكرمك أيضًا به، ويجعلك صورة منه ﷺ؛ فهو قد رحمه الله بل وجعله رحمة.

فأكون أنا رحمة لأهلي، رحمة لجيراني، لمجتمعي، رحمة لعصري. إنما هو [النبي ﷺ] رحمة للعالمين من لدن آدم إلى يوم الدين.

إن الضياء مختلف في ضوء الشمس وفي ضوء السراج، وإذا جاء النهار أُطفئ السراج. بماذا تعمل بالسراج والدنيا نهار؟ إذا [كان نور النبي ﷺ كالشمس فنحن كالسُّرُج نستمد منه].

عظم مقام الصابر عند الله وتبديل سيئاته حسنات ودخوله الجنة

﴿أُولَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157]

وأيضًا لهم رحمة زيادة؛ لكي تعمّ الرحمة بمن حولهم بسببهم. فهذا الصابر مقامه عظيم عند الله.

﴿وَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 157]

لن يستطيع أن يعصي، يدخل الجنة رغمًا عنه، يبدل الله سيئاته حسنات ويوفقه الله.

اللهم اجعلنا منهم. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.