سورة البقرة | حـ 185 | آية 163 : 164 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين النص أن الله أسس في سورة البقرة أساساً متيناً للحياة والعمل مبنياً على التوحيد كقضية كبرى.
- •أشار الله إلى دلائل وحدانيته في قوله "إن في خلق السماوات والأرض" حيث يستطيع العقل التوصل لليقين بتأمل الكون.
- •المتدبر في السماء يجدها في غاية الإحكام، ويوقن بوجود خالق كريم وحكيم مدبر وراء هذا الخلق.
- •وصف النبي صلى الله عليه وسلم اتساع السماوات بأن كل سماء كحلقة في فلاة بالنسبة للتي فوقها وصولاً للعرش.
- •العقل البشري يقف عاجزاً عن تصور هذا الاتساع الهائل، وهو ما يسميه أهل المنطق "وقوف التصور".
- •يمكن التصديق بالشيء في الجملة دون تصوره تفصيلياً، كمن يسمع طرقاً فيعلم وجود طارق دون معرفة تفاصيله.
- •أشار العالم مصطفى مشرفة في كتابه "الكون يزداد اتساعاً" إلى حقيقة علمية تتوافق مع قوله تعالى "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون".
- •هذه الآيات تدلل على وحدانية الله وتؤسس للإيمان.
مقدمة الدرس وتأسيس قضية التوحيد في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أن أسَّس أساسًا متينًا للعمل والحياة وتحصيل سعادة الدارين، وبنى ذلك على أنه لا إله إلا الله، وأنها هي القضية الكبرى، وقال:
﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]
قال تعالى:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 164]
فلفت أنظارنا إلى دلائل هذه القضية الأساسية والأصل الأصيل، وأن العقل يستطيع أن يصل إلى اليقين بشأن هذه القضية مما حوله.
التأمل في خلق السماوات والأرض كدليل على وجود الخالق الحكيم
فأرشدنا [الله سبحانه وتعالى] إلى خلق السماوات والأرض، والمتدبر والمتأمل في السماء يجدها في غاية الإحكام، بل ويمكن بمجموعة من الرصد الذي لا يحتاج إلى مجهر أن نوقن أن وراء هذا الخلق خالقًا كريمًا، وأن وراء هذا الخلق حكيمًا مدبرًا.
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ﴾ [البقرة: 164]
والخلق هذا مصدر؛ إذا فنحن ننظر إلى الشيء، ثم بعقولنا نصل إلى ما وراء هذا الشيء، وهو الحدث الذي أوجد هذا الشيء. فالسماء نتيجة عملية الخلق، والأرض نتيجة عملية الخلق.
سعة السماوات السبع وحديث النبي عن عظمة الخلق والعرش
والسماء فيها آية عظيمة، وهي أنها واسعة الأرجاء غير قابلة للحصر، وكلما تأملنا فيها وجدناها متسعة. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى ذلك عندما يتحدث عن خلق السماوات السبع، وأن السماء الأولى كحلقة في فلاة [صحراء كبيرة] بالنسبة للسماء الثانية، وإن السماء الثانية حلقة في صحراء كبيرة في فلاة بالنسبة للسماء الثالثة، وإن السماء الثالثة كذلك، إلى أن يصل إلى السماء السابعة، وهي كذلك حلقة في فلاة بالنسبة إلى العرش.
فالعرش عظيم، وعندما تحاول في ذهنك أن تتصور هذا فإن ذهنك يكلّ ويتعب ويقف في تصوره.
وقوف التصور عند محاولة تخيل اتساع السماوات والعرش العظيم
ويسميها أهل المنطق "وقوف التصور"؛ يظل [العقل] سائرًا هكذا يتصور. تصوَّر أن المسجد هذا واسع هكذا هو، طيب تصوَّر أنه ظل يتسع حتى شمل مدينة القاهرة، طيب مصر كلها، طيب أفريقيا، طيب وآسيا، يستطيع عقلك أن يتخيل؟
طيب السماوات! عقلك قاعد يوسّع دائرة معينة، طيب حلقة في فلاة بالنسبة للثانية، لا يعرف يأتي بها، يقف، يملّ، فلا يرضى أن يمشي معك ويقول لك: أتعبتني!
الرد على إشكالية التصديق بما لا يمكن تصوره عند المناطقة
قالوا: كيف نصدق بما لا نتصور؟ أنا الآن لست قادرًا على التصور، والمناطقة يقولون: التصديق بالشيء فرع عن تصوره.
فقالوا: لا، ما أصل هذه القاعدة ونحن ندرّسها، فيها زيادة الناس لا يقولونها. قالوا: ما الزيادة؟ قال: التصديق بالشيء فرع عن تصوره ولو في الجملة.
"ولو في الجملة" [أي ليس من الضروري التصور التفصيلي]؛ ليس من الضروري أن تتصور نفسك هكذا، ولو في الجملة.
مثال طرق الباب لتوضيح التصور الإجمالي دون التفصيلي
قال [أحدهم]: لا، لست أفهم، فهّمني. قال له: إن أحدًا أو شيئًا قرع الباب، فما تصورك؟ أن إنسانًا يقرع هذه القرعة. وما الذي جعلك تقول إنه إنسان؟ ربما تكون الريح هي التي تطرق في الباب أو تطرق في مقبض الباب وتحركه.
قال: لا، هذه [الطرقات] منتظمة، تك تك تك... هذا واحد مدبّر وراءها، هذا واحد يطرق بطريقة منظمة. فتتصور في ذهنك أن هناك طارقًا، وأن هذا الطارق من البشر أو من العقلاء.
التصديق الإجمالي بوجود الطارق دون معرفة تفاصيله
طيب، شكله أكبير أم صغير؟ رجل أم امرأة؟ لا تعرف؛ لأنك لم تفتح الباب بعد ولم تنظر إلى هذا الطارق. لكنك تعلم أن الذي يطرق الباب، يوجد أحد يطرق الباب. نعم، تعرف هذا.
وإذا كان في الجملة [أي إجمالًا] فهو تصور وتصديق من غير التفصيل؛ من غير أن يعرف هو الذي يطرق هذا أبيض أم أسمر، كبير أم صغير، طويل أم قصير، رجل أم امرأة، لا يعرف. ولكنه يعرف أن هناك أحدًا يطرق. هذه كلمة "ولو في الجملة".
عجز العقل عن تصور سعة السماوات تفصيلًا مع التصديق الإجمالي بها
فأنا أفهم أن كل سماء والأخرى واسعة جدًا، لكنني لست قادرًا على إحضارها بعقلي؛ لأن عقلي بالكاد يأتي ما بين المشرق والمغرب ثلاثون كيلومترًا فقط، وثلاثون كيلومترًا هكذا. فعندما أحاول أن أتصور مليون كيلومتر لا أستطيع أن أتصور ذلك ولا يأتي في ذهني.
فالسماء واسعة:
﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]
شهادة العالم مصطفى مشرفة على اتساع الكون وتوافقها مع القرآن
مصطفى مشرفة وهو من العلماء المصريين الأفذاذ الذين شاركوا أينشتاين في أبحاثه، ألّف كتابًا اسمه "الكون يزداد اتساعًا". هذا ما لا علاقة له بالقرآن [أي أنه بحث علمي بحت]؛ إنه يتحدث عن الرصد ووجد أن الكون يزداد اتساعًا.
﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]
والله ما أحد يعرف أن يقول هذا الكلام إلا الله ربنا!
دلالة آية الموسعون على الاتساع المستمر للكون وإثبات وحدانية الله
والله انتبه إلى الكلام: الكون يزداد اتساعًا، والثانية:
﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]
بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. انظر إلى هذا الكلام: "وإنا لموسعون" تزداد اتساعًا. تأخذ منها أنه قد تكون تزداد اتساعًا في وقت ولا تزداد في وقت آخر، أو في مكان أو مكان آخر، لا! [بل هو اتساع مستمر].
وهكذا يدلل [القرآن الكريم]، وأول ما دلّل وأقام الدليل على وحدانية الله وما يترتب عليها من أساس الإيمان، قال:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾ [البقرة: 164]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، عليكم السلام ورحمة الله.
