سورة البقرة | حـ 203 | آية 180 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 203 | آية 180 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يفرض الله في سورة البقرة الوصية للوالدين والأقربين إذا ترك الإنسان خيرًا، لكن حديث "لا وصية لوارث" يظهر تعارضًا ظاهريًا.
  • السنة النبوية هي التطبيق المعصوم للقرآن ولا تناقضه، فالرسول صلى الله عليه وسلم مفسر لكلام الله ومبين له.
  • يمكن فهم الآية على أنها تخص الوالدين غير المسلمين، حيث لا يرثون بسبب اختلاف الدين.
  • موانع الميراث ثلاثة: القتل واختلاف الدين واختلاف الدار، وقد زال الرق.
  • اختلف العلماء في القتل المانع للميراث، فالشافعي يرى أن مطلق القتل يمنع الميراث ولو كان بحق.
  • المعمول به في مصر أن القتل بحق لا يمنع الميراث.
  • يرشدنا الإسلام إلى بر الوالدين ولو كانا غير مسلمين، والوصية لهما تعبير عن هذا البر.
  • القرآن يهدينا دائمًا إلى الخير وسعادة الدارين، ويوجهنا إلى صلة الأرحام وبر الوالدين في الحياة وبعد الممات.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الوصية للوالدين والأقربين من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]

أي فُرِض عليكم [الوصية للوالدين والأقربين]. فمن علامات التقوى أن يوصي الإنسان للوالدين وللأقربين.

إشكالية التعارض بين آية الوصية وحديث لا وصية لوارث وموقف العلماء

فماذا نصنع إذن مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث»؟

قالوا [العلماء]: أولًا سنده فيه مقال. ثانيًا: هل تقدر السنة أن تُلغي القرآن أو أن تنسخ أحكامه؟ أم أن القرآن هو المهيمن عليها وعلى الكتب السابقة؟

والراجح عندنا وما نسير عليه أن القرآن إنما هو حبل الله المتين الذي يهيمن على ما سواه، ولا يهيمن شيء عليه؛ إلا أن الرسول المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم يفسر كلامه [كلام الله] ويقرر كيف نطبقه.

السنة النبوية هي التطبيق المعصوم لكتاب الله تعالى ولا تناقض بينهما

والسنة المشرفة هي التطبيق المعصوم لكلام الله سبحانه وتعالى؛ لأنها صادرة عن سيد الخلق، عمن ارتضاه الله سبحانه وتعالى ناقلًا لكلامه مفسرًا له صلى الله عليه وآله وسلم:

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله.

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التطبيق المعصوم لكتاب الله، فقد كان قرآنًا يمشي على الأرض صلى الله عليه وآله وسلم، وإنك لعلى خلق عظيم، وكان خلقه القرآن. فلا تناقض ولا تضارب بين ما يقرره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين القرآن.

حمل آية الوصية على الوالدين غير المسلمين الذين لا يرثون

ومن هذا المنطلق يمكن أن يُحمل ما في الآية [آية الوصية] على الوالدين من غير المسلمين؛ أبٌ وأمٌّ من غير المسلمين وابنهم أسلم.

فهل غير المسلم يكون من الورثة؟ لا، لا يكون من الورثة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:

«لا توارث بين أهل ملتين»

وموانع الميراث ثلاثة وقيل أربعة، ويُمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث: قتلٌ ورقٌّ واختلاف دين، فافهم فليس الشك كاليقين.

تفصيل موانع الميراث الثلاثة واختلاف الدين والدار وزوال الرق

يبقى ثلاثة أشياء وقيل أربعة: اختلاف الدار — دار المسلمين ودار غير المسلمين — هذه الرابعة، لكن اختلاف الدين على مستوى الشخص أو مستوى الدار تصلح [أن تكون ثلاثة موانع].

الرق ذهب في خبر كان والحمد لله، وتشوّف الشرع لإلغائه فأُلغي وانتهى الأمر. كان الرق مانعًا من موانع الميراث، وأصبح الآن معنا الثلاثة هؤلاء وهو: اختلاف الدين يمنع الميراث في بلاد المسلمين، واختلاف الدار يمنع الميراث، والقتل.

الخلاف بين الشافعية والأحناف في القتل بحق هل يمنع الميراث

أيُّ نوع من أنواع القتل [يمنع الميراث]؟ القتل العدوان أم مطلق القتل؟

قول الإمام الشافعي قال: مطلق القتل. قال [أي معنى ذلك]: يعني لو قاضٍ حكم على ابنه بالإعدام لا يُورَّثه، أو حكم على أبيه بالإعدام لا يُورَّثه.

يا فضيلة الإمام الشافعي! قال: أبدًا لا يورثونه، القاتل لا يرث. قال [أي معنى ذلك]: يعني العم عشماوي الذي يفعل هذه المقصلة الخاصة بالإعدام، عندما يأتيه أبوه أو ابنه وهو وارثه — يعني من الورثة — لا يرثه. قال: أبدًا لا يرثه.

وجوب تحويل القاضي للقضية إذا كان المحكوم عليه من ورثته

ولذلك على القاضي الذي تُعرض عليه هذه القضية أن يحوّلها إلى قاضٍ غيره.

لماذا؟ لأنني إن [كان المحكوم عليه] هذا ابني أو أبي — ليس لأنه سيحكم بالعدل، فهو سيحكم بالعدل في كل الأحوال — ولكن لكي لا يُمنع من الميراث ويكون سببًا في القتل فيصبح قاتلًا.

فالقاتل قد يكون قتل بحق وقد يكون قتل بغير حق. ولذلك قال الأحناف: من قتل بغير حق يُحرم من الميراث ويُمنع منه ويُلغى من المسألة أثناء حلها، لكن الذي يقتل بحق فلماذا تحرمه؟

موقف الإمام الشافعي من عموم منع القاتل من الميراث والعمل في مصر

الإمام الشافعي قال: والله ليس لي تدخل، الكلمة عامة وأنا سأحتاط وأمضي مع العموم. لا تقتلوه يا أخي، دع آخر يقتله تنفيذًا أو قضاءً أو كذلك إلى آخره.

لا بأس، اختلاف الأئمة رحمة. ونحن نسير على ماذا في مصر؟ على أن القتل بحق لا يمنع الميراث؛ أن القاتل بحق كالقاضي ومنفذ الأحكام للإمام لا يمنع ذلك هذا الشخص من الميراث.

الوصية للوالدين غير المسلمين وكيف يعلمنا الإسلام الرحمة بهم

حسنًا وماذا نأخذ من هذا [من آية الوصية]؟ أن الوالدين قد يكونان غير مسلمين. نأخذ منه كيف انتشر الإسلام.

الله يقول للولد: ماذا [يفعل] عندما يكون أبوك وأمك غير مسلمين؟ أينزل عليهما اللعنات؟ أم يقول له: أوصِ لهم؛ لأنه لو متَّ أيضًا فإن قلوبهم ستتألم عليك، فأنت ابنهم، وأبوك سيبكي ولو كان غير مسلم، وأمك ستبكي عليك ولو كانت غير مسلمة.

الإسلام شيء، والحياة وجمال هذه العلاقات وحميميتها شيء آخر. فيبقى بر الوالدين مُراعًى حيًّا وميتًا.

كيفية تطبيق الوصية للوالدين غير المسلمين في ظل قانون الميراث

حتى لو متُّ وأنا على الإسلام وهم على غير دين الإسلام، أوصي لهما. ما أنا أعرف أن المحكمة ستمنعهم من الميراث وستقول لهم: لا، أنتم لستم مسلمين.

طيب، حسنًا، لسنا مسلمين، وكما أنه لما أسلم ابنكم لم نأخذ منكم، كذلك أنتم لا تأخذوا منا.

طيب حسنًا، ماذا يفعل الولد إذن أمام هذا القانون [قانون منع التوارث بين أهل ملتين]؟ قال له: أوصِ. الله يعلمنا الرحمة؛ أوصِ، إنه أبوك وأمك.

انتفاء التعارض بين الآية والحديث وختام الدرس بالحمد لله

إذن في [هذا الفهم] لا تعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم «لا وصية لوارث» وبين الآية [آية الوصية للوالدين]؟ ليس فيها [تعارض].

ويبقى القرآن هكذا، كل آياته تدلنا على الخير وعلى سعادة الدنيا وعلى سعادة الآخرة.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.