سورة البقرة | حـ 220 | آية  190 - 194 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 220 | آية 190 - 194 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يبين النص أن القتال في الإسلام غايته منع الفتنة وجعل الدين لله، وهو ارتكاب لأخف الضررين.
  • الحاكمية في الإسلام لله تعالى وحده، ولا يجوز للمسلمين الاتفاق على ما يخالف شرع الله كإباحة الزنا أو الشذوذ.
  • دور البشر هو فهم أحكام الله والاختيار من المذاهب فيما اختلف فيه العلماء، مع الالتزام بأصول الإسلام المجمع عليها.
  • الحرية في الإسلام مكفولة تحت سقف المقاصد الشرعية الخمسة: حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال.
  • الجهاد لا يكون إلا تحت راية دولة ذات جيش نظامي، وليس عمل أفراد.
  • القتال يستمر حتى تنتهي الفتنة ويكون الدين لله، فإن انتهى المعتدون فلا عدوان إلا على الظالمين.
  • مبدأ القصاص في الإسلام يقوم على المماثلة في العقوبة مع المخالفة.
  • التقوى قوة وليست ضعفاً، ومع الإعداد والقدرة تجلب معية الله تعالى.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

القتال في سبيل الله هو ارتكاب أخف الضررين لتحقيق غاية شريفة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُعلِّم المؤمنين القتال لأجل غاية شريفة:

﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193]

فالقتال هو ارتكاب أخف الضررين. إذ بيَّن لنا الله سبحانه وتعالى قاعدة من قواعد التفكير المستقيم، أنه ينبغي علينا أن نرتكب أخف الضررين؛ لأننا لو لم نرتكب هذا الضرر الأخف لوقعنا في الضرر الأعمق والأبلغ والأشد والأكثر ضررًا.

غاية القتال أن يكون الدين لله وأن الحاكم هو الله عند جميع المسلمين

﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193]

إذن الغاية من القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

فهل يمكن أن يكون الدين لغير الله؟ يمكن أن ما يدين به البشر يكون لغير الله. الحاكم عند المسلمين هو الله:

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]

الحاكم عند المسلمين بكل مذاهبهم وطوائفهم، سُنَّة وشيعة ومعتزلة وخلف وسلف، هو الله. وعلى ذلك فلا يجوز لجماعة المسلمين أن تُقرِّر قرارًا يخالف ما أراده الله، فلا يجوز لجماعة المسلمين أن تتفق على إباحة الزنا أو الفجور أو الشذوذ الجنسي؛ غير ممكن هذا، [فهو] مخالف للحدود التي وضعها الله لنا.

الدين ما يدين به الناس يجب أن يكون لله والحاكم هو الله في أصول الفقه

الدين هو ما يدين به الناس، يجب أن يكون لله؛ بمعنى أن الحاكم هو الله. ولذلك عندما تقرأ في أصول الفقه تجد بابًا [عنوانه]: الحاكم هو الله.

هذا هو جوهر المسألة: هل الحاكم هو الله أم الحاكم هو من البشر وليس الحاكم هو الله؟ قال [العلماء]: إنما الحاكم هو الله.

فماذا يفعل البشر إذن؟ قالوا: لهم أن يفهموا عن الله، وأن يختاروا فيما اختلف فيه في فهم كلام الله الذي هو الظن، أي المذاهب؛ فالشافعي قال شيئًا، ومالك قال شيئًا، وجعفر الصادق قال شيئًا، وهكذا. فنحن نختار بينهم، ولكن شيئًا واحدًا مُجمَعٌ عليها، يعني هو أساس وهوية الإسلام، لا يجوز الخروج عنها.

الحاكمية لله وللبشر اختيار ملتزم وحرية مسؤولة تحت سقف الشريعة

إذن فالحاكم هو الله، وللبشر بعد هذه الحاكمية الاختيار؛ فاختيار ملتزم وحرية مسؤولة. والمسلم يرى أن غير ذلك ليس بحرية.

فما هو إذن التفلُّت؟ عندما يكون الدين لغير الله، وما هي جهة التفلُّت؟ أن كل واحد يقول ما يريده، كل واحد يقول ما في ذهنه. والتجارب الديمقراطية العميقة في العالم تؤكد ذلك؛ فجعلوا الشذوذ من حقوق الإنسان، وجعلوا الزنا والفحشاء مقبولَيْن لا جريمة فيهما ما دام بالرضا، وجعلوا الدين خفيًّا.

الحرية في الإسلام مكفولة تحت سقف المقاصد الشرعية الخمسة

نقول لهم: لا، الحرية عندنا مكفولة تحت سقف مقاصد شرعية خمسة هي: حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، وملكه.

فإذا كنتم تحت هذه الخمسة فهذا هو النظام العام والآداب وهوية المجتمع البشري، الذي إذا ما تركناه فسدنا وأفسدنا ودمَّرنا ولم نُعمِّر.

إذا كان الدين لله فلا عدوان إلا على الظالمين والعقوبة بإزاء الجريمة

ولكن إذا كان الدين لله فهذا هو الأساس:

﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]

فإن انتهوا وأقرُّوا بالنظام العام الذي أراده الله، وبهوية الاجتماع البشري وبعمارة الدنيا، فلا عدوان إلا على الظالمين. فليس هناك عدوان إلا على سبيل العقاب الذي هو في مقابل الجريمة.

والعقاب الذي في مرتبة الجريمة ليس هو القتال الذي يُقِرُّ الاستقرار والسلام القائم على العدل.

القتال لا يكون إلا من دولة تحت راية واشتراط العلماء ذلك في الجهاد

ولذلك القتال لا يمكن أن يكون إلا من دولة، لا يكون من أفراد؛ لأنهم ليس في مقدورهم هذا، وليس لهم جهة تُخاطَب وتُهادِن وتكُرّ وتفِرّ وتكون ملتزمة بهذا الدستور.

فلمَّا كان الأمر كذلك، اشترط العلماء جميعهم في الجهاد أن يكون تحت راية. تحت راية الذي هو يعني ماذا؟ يعني تمارسونه حكومة لها جيش، وليس يمارسه أفراد.

والفرق ما هو؟ أن هذا [ما يمارسه الأفراد] قتل، وهذا [ما تمارسه الدولة] قتال. الذي يمارسه الأفراد فما هو إذن؟ القتل. الذي تمارسه الحكومة إذا كان في سبيل الله، وكان من غير عدوان بل لرفع العدوان ودفع الطغيان، وكان له غاية ألَّا تكون فتنة ويكون الدين لله، إذا كان الأمر كذلك فهو جهاد في سبيل الله، ولا يكون ذلك إلا من حكومة.

العدوان على الظالمين عقوبة بإزاء جريمة ومبدأ القصاص في الشهر الحرام

﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]

ووقتها العدوان الذي على الظالمين إنما هو نوع عقوبة يكون بإزاء جريمة، وليس هو من نوع قتال يكون بإزاء استقرار.

﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 194]

يريد [الله] هنا أن يُعلِّمنا مبدأً قرآنيًّا سبق أن تحدثنا فيه:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]

فهنا مبدأ القصاص هو مكوِّن من مكونات الفكر المستقيم.

مبدأ القصاص في الحرمات والاعتداء بالمثل مع الأمر بالتقوى والعفو

﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194]

أهو صرَّح بها: والحرمات قصاص.

﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]

بشبيهٍ في القدر والكيف.

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 194]

يعني الأفضل العفو؛ لأنك قد لا تتمكن من الإتيان بالشبيه فتزيد فتكون معتديًا.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194]

لا تظنوا أن التقوى ضعف، التقوى قوة. لا تظنوا أن التقوى ستؤدي إلى تدهور الأمور. التقوى مع القدرة على الإعداد لهذه القوة خيرٌ وبركة؛ لأنكم ستكونون في معية الله.