سورة البقرة | حـ 218 | آية 188 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 218 | آية 188 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الآية الكريمة "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" جاءت بعد أحكام الصيام لتبين أن الصيام ليس فقط عن الطعام والشراب بل عن كل ما حرمه الله.
  • هناك دائرتان يجب التمييز بينهما: دائرة الأكل بالإثم التي تشمل الظلم والتظالم كالربا والسرقة والرشوة والاغتصاب، ودائرة الاستثمار والتجارة المشروعة.
  • الظلم هو التصرف في ملك الغير بغير حق، ولذلك لا يتصور الظلم من الله لأنه مالك كل شيء.
  • الفروق في الأجور بين أصحاب المهن الواحدة كالأطباء والنجارين ليست ظلماً بل تعتمد على الكفاءة والخبرة والعلم والمهارة.
  • التجارة عن تراضٍ مشروعة ومختلفة عن أكل المال بالباطل، فالرضا أساس المعاملات الصحيحة.
  • يجب على الفقيه فهم الواقع وعدم تطبيق ما في الكتب حرفياً دون تمييز.
  • أكل مال اليتيم بالتي هي أحسن يعني التصرف فيه بما فيه مصلحته وعدم تدميره.
  • ضرورة فهم المعاني الراقية للتمييز بين المعروف والظلم والعمل بها كمنهاج للتفكير المستقيم.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وأبيات في مدح الإمام والثناء على علمه وفقهه

قال الإمام عن الإسلام متبعًا آياتِ ذكرٍ وتبيانٍ من السنن، قولُ الفقيهِ ونورُ الدينِ مرشدٌ بالحقِّ ينطقُ صدقًا غيرَ مفتتن، الحقُّ مذهبُه والعقلُ ديدنُه والعلمُ يقينٌ في ظهرَ على زمان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الانتقال من أحكام الصيام إلى تحريم أكل أموال الناس بالباطل في سورة البقرة

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، وبعد أن انتهى ربنا من بيان أحكام الصيام، نرى قوله:

﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]

وهنا كأنه يأمرنا بأن الصيام ليس فقط عن الأكل والشرب والشهوة، وإنما هو أيضًا عن كل ما حرّم الله، خاصة في معاملة الناس؛ ولذلك حرّم الربا، وحرّم الرشوة، وحرّم السرقة، وحرّم الاغتصاب، وحرّم كل ما يمكن أن يؤدي إلى أكل مال الناس بالباطل.

دائرة الأكل بالإثم والظلم والتظالم بين الخلق كما في الربا

وهناك دائرتان لا يفقههما كثير من الناس: دائرة الأكل بالإثم، وحينئذٍ فهناك ظلم وتظالم بين الخلق. يظهر هذا في الربا؛ ولذلك لما نهانا الله عنه قال:

﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ فلكم رؤوس أموالكم ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]

فمن اقترض قرضًا من أجل حاجته واستهلاكه، فزاد عليه ذلك القرض فزاده فقرًا فوق فقر، فإن هذا من الظلم والتظالم بين الخلق الذي لا يرضاه الله سبحانه وتعالى.

تعريف الظلم بأنه التصرف في ملك الغير وتنزيه الله عنه

دائرة الظلم تظهر عندما يسرق واحد من الناس أخاه؛ فإنه يأخذ ما ليس له ملكه وما ليس له، والتصرف في ملك الغير هو عين الربا، هو عين الظلم. ما الظلم؟ التصرف في ملك الغير.

ولذلك ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]؛ لأنه مهما تصرّف ربنا فينا فنحن ملكه، يتصرف فينا كيف يشاء. فالظلم لا يُتصوَّر مع الله؛ لأن الله هو مالك يوم الدين ومالك الدنيا وما فيها وملكها، فالظلم لا يُتصوَّر مع الله بالتعريف؛ فإن الظلم هو التصرف في ملك الغير.

ومن ارتشى كمن سرق، كمن اغتصب، كمن رابى [أي تعامل بالربا]، كلها في دائرة الظلم.

دائرة الاستثمار والتجارة وتفاوت الأجور بحسب الكفاءة والعلم

أما في دائرة الاستثمار والتجارة وتقليب الأموال، فإنه ليس هناك ظلم. فالأجر الذي يأخذه العامل لقاء عمله مرة، ولقاء كفاءته مرة ثانية، وعلمه مرة ثالثة.

ما أنت عندما تستدعي نجارًا، فهناك نجار يأخذ عشرة جنيهات، ونجار يأخذ مائة جنيه، ونجار يأخذ ألف جنيه. فما هذا الظلم؟ قال: لا، هذا يعمل في دقّ المسمار، وهذا لديه شيء من الكفاءة والصنعة والملكة، والآخر لا، هذا لديه شيء من الخبرة والوضع التصميم؛ يصمّم الشيء هكذا قبل أن تصنعه، ويبتكر أشكالًا جديدة ووظائف جديدة وهكذا، فيأخذ ألف جنيه.

والطبيب هناك طبيب يأخذ مائة، وطبيب يأخذ ألفًا، وطبيب يأخذ مائة ألف. لماذا؟ يعني هذا ظلم؟ قال: لا، هذا في دائرة أخرى غير دائرة الظلم.

التمييز بين دائرة الظلم ودائرة التجارة المشروعة التي تعمر الحياة

هذه دائرة تشتمل على الاستثمار، تشتمل على العمل، تشتمل على العلم، تشتمل على الكفاءة، تشتمل على حياة الناس وحراكها، تشتمل على شيء يعمّر ولا يدمّر، تشتمل على شيء آخر.

ولذلك ربنا قال:

﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً﴾ [النساء: 29]

يعني الظلم والتظالم هذا دائرة، والتجارة دائرة أخرى. ولذلك الناس الذين يذهبون ليحملوا هذه الدائرة على هذه، أو تلك على هذه، يكون في خلط وخطأ. ويقع في هذا حتى بعض المشتغلين بالعلم؛ أنه لا يميّز بين الصورة التي فيها ظلم وتظالم وهي محرّمة، وبين الصورة التي فيها كفاءة وعلم واستثمار وحراك حياتي يعمّر ولا يدمّر.

وجوب فهم الفقيه للواقع والتمييز بين الظلم والحراك الحياتي المشروع

فيجب على الفقيه أن يضع في ذهنه هذا، وألّا يذهب لينقل ما في الكتب ويأتي ليطبّقه في الناس هكذا. هو لا، يجب أن يفهم ما يفعله وما الواقع الذي أمامه الذي يقول فيه:

﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ [البقرة: 188]

ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، فيكون هو هذا الأساس: الظلم. وإياك أن تفكّر أن هذا يشمل الحراك الحياتي [المشروع]:

﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً﴾ [النساء: 29]

في شيء آخر، هكذا إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم.

شرط الرضا في التجارة والاختيار الحر بين مستويات الخدمة والأسعار

هذا هنا في الرضا. هذا أنا الذي أذهب إلى الطبيب صاحب المائة ألف، ولستُ راضيًا أن أذهب إلى صاحب الألف، وأذهب إلى النجار صاحب الألف ولستُ راضيًا أن أذهب إلى صاحب المائة. هذا أنا الذي فعلتُ ذلك.

هذا أنا الذي أذهب لكي أطلب الاستثمار، وليست المسألة مسألة شهوة، ومسألة ظلم، ومسألة حاجة وفاقة وظلم بين الناس [كما في دائرة الباطل].

أكل مال الناس على صنفين بين الإثم والصلاح وضابط كل منهما

﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]

فيبقى هنا أكل مال الناس على صنفين: مرة يكون فيه إثم، ومرة يكون فيه صلاح.

متى يكون فيه إثم؟ عندما يكون بالباطل، عندما يكون بالظلم، عندما يكون فيه ما لا يرضي الله.

فمتى يكون بالصالح؟ عندما يكون بالمعروف:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنعام: 152]

الله، هل ستأكل مال اليتيم؟ نعم. ألستَ ستأكله؟ نعم. اليتيم الذي سيقيم في بيتكم ستطبخ له، ألستَ ستأكل من طعامه؟ هو دفع ثمن هذا الطعام.

التعامل مع مال اليتيم بالحسنى والفرق بين الأكل بالمعروف والظلم

وهذا ومن غير معقول أن تعزله وتقول له: كُلْ وحدك هكذا، فهو مثل القطة؛ لأن أنا لا آكل مال اليتيم ولا يجوز! هذا لا، بل ستأكل معه لتُدخل السرور على قلبه. طيب وبعدين بقي؟

وهذه والله أحسن. أنت لم تأكل أمواله بمعنى أنك دمّرتها؛ كتبتَ ممتلكاته باسم أولادك أنت وتركتَه هو فقيرًا، ذهبتَ وأخذتَ منه الرصيد ودمّرتَه تدميرًا قبل أن يبلغ، حتى عندما يبلغ لا يجد شيئًا. هذا هو الظلم وقلة الأدب والديانة.

الخط الفاصل بين المعروف والظلم وأهمية هذه الآية كمنهاج للتفكير المستقيم

فلنتنبّه إذن إلى هذه المعاني الراقية السامية، حيث يحدّد لنا الله سبحانه وتعالى خطًّا فاصلًا بين ما هو معروف وما هو حسن وما هو فيه عمارة للدنيا، وبين ما هو فيه ظلم وفيه إثم وفيه باطل بين الناس.

ما رأيكم في أن هذه الآية تصلح لأن تكون منهاجًا للتفكير المستقيم، ومكوّنًا من مكوّنات العقل المسلم، ومدخلًا معتبرًا من مداخل فهم عصرنا الذي نعيش فيه؟

وعندما يتحوّل رسمٌ دون معنى اتّبعه الناس من غير تدبّر ولا تأمّل في حياة الناس، فوقعنا فيما نحن واقعون فيه الآن، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.