سورة البقرة | حـ 208 | آية 185 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي ذكره الله باسمه في القرآن، وعظّمه لأنه بدأ فيه نزول القرآن الكريم.
- •أنزل الله القرآن في ليلة القدر التي وصفها بأنها خير من ألف شهر، أي ثلاث وثمانين سنة من العبادة والذكر.
- •أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان تشويقاً للعباد، كما أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى وساعة الإجابة في يوم الجمعة.
- •رمضان شهر القرآن نزولاً وتدبراً وعبادة وخدمة، لذلك فرض الله صيام نهاره وسن الرسول قيام ليله في صلاة التراويح.
- •القرآن أنزل للهداية وليس فقط للتلاوة والتعبد، فهو بينات واضحات وليس فيه غموض أو أسرار.
- •القرآن متاح للجميع دون استثناء، ليس فيه أجزاء سرية مخفية عن الناس.
- •"فمن شهد منكم الشهر فليصمه" تعني من حضر الشهر وعلم بدخوله فعليه صيامه، وليست رؤية الهلال بالعين.
تلاوة آية الصيام من سورة البقرة وبيان تفصيل الله لأحكام الصيام
ومن والاه، مع كتاب الله، وفي سورة البقرة في قوله تعالى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]
بالتفصيل يحدثنا ربنا عن قضية الصيام؛ لأنه سرٌّ بين العبد وربه، فتولى الله شأنه كله.
تسمية شهر رمضان في القرآن وتعظيم الله له بنزول القرآن فيه
شهر رمضان ولم يُسَمِّ [الله] سوى هذا [الشهر] بكلمة "شهر"، شهر رمضان. والشهر قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين طبقًا لدورة القمر ولرؤية الهلال.
وشهر رمضان عظّمه الله لأنه شهرٌ بدأ فيه نزول القرآن، والله سبحانه وتعالى بيّن لنا أنه قد أنزله في ليلة القدر:
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 1-3]
ليلةٌ واحدة خيرٌ من ثلاث وثمانين سنة في الذكر، في العبادة، في التلاوة، في الصلاة، في الدعاء، في كل شيء، في الصدقة.
بركة ليلة القدر وتعويض الله بها قصر أعمار هذه الأمة
ليلة القدر ليلةٌ ذات قدرٍ عند الله:
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ﴾ [الدخان: 3]
إذن ففيها بركة، وهذه البركة تُغنينا عن طول أعمار السابقين. كان السابقون يعيشون مائة ومائتين وثلاثمائة سنة، ونحن نعيش سبعين وثمانين وستين سنة، فيصبح الأمر كأنه تقاعد مبكر.
حسنًا، وبعد ذلك ماذا [نقول]؟ هو ألا تعلم أن ليلة القدر هذه قد أخفاها الله في العشر الأواخر من رمضان، أو في الوتر من العشر الأواخر من رمضان.
حكمة إخفاء الله لليلة القدر وغيرها تشويقًا للعباد للعبادة
كما أخفى [الله] اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، وكما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وكما أخفى الصلاة الوسطى في سائر الصلوات، وكما أخفى السبع المثاني في القرآن، وكما أخفى [أشياء كثيرة] تشويقًا للعباد وتشويقًا لهم أن يعبدوا الله وأن يذكروه في جميع الأوقات، وبجميع الأسماء، وفي جميع الصلوات.
وهكذا ليلة القدر هذه التي هي في العشر الأواخر من رمضان، والتي نزل فيها القرآن.
ارتباط القرآن بشهر رمضان نزولًا وتلاوةً وتدبرًا وعبادةً وخدمةً
إذن فالقرآن مرتبط برمضان؛ فهو شهر القرآن نزولًا، وشهر القرآن تلاوةً، وشهر القرآن تدبرًا، وشهر القرآن عبادةً، وشهر القرآن خدمةً.
ولذلك فرض الله علينا صيام نهاره، وسنّ لنا رسوله ﷺ قيام ليله في صلاة التراويح. ونظّمها المسلمون على ما تعرفونه مما هو شائع في بلادنا وبلاد المسلمين؛ سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] نظّمهم على إمام وتركهم يصلون عشرين ركعة ركعتين ركعتين، وهكذا إحياءً لهذا الشهر، وحتى لا يُفلت منا فيضيع منا خيرٌ كثير. ما يكون هذا [إلا] تطبيقًا للشريعة.
الغاية من إنزال القرآن هي الهداية لا مجرد التلاوة أو التعليق
شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، حسنًا أُنزل القرآن لماذا؟ من أجل تعليقه كالتمائم؟ أم من أجل قراءته تعبدًا حتى ينال أحدنا بكل حرف عشر حسنات؟
قال رسول الله ﷺ: «لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»
هكذا يقول رسول الله ﷺ فحسب؟ أم أن فيه هداية للمتقين كما في صدر سورة البقرة، أو لمن أراد الهداية؟
﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185]
يعني لمن أراد الهداية.
وجوب الاستهداء بالقرآن وحماقة الصد عنه ومنع الناس من كنوزه
إذن فموقف الناس من الكتاب [القرآن الكريم] لا بد أن يكون موقف الاستهداء، وليس موقف السخرية والتعالي الأحمق والصد عنه. هذه حماقة؛ لأنه تفويتٌ للخير ومنعٌ للكنوز من أن يستفيد منها الناس.
فيكون هؤلاء الذين يصدون عن كتاب الله وعن سبيل الله حجابًا بين الخلق وخالقهم.
القرآن بيّنات واضحات متاح للجميع لا سرية فيه ولا احتكار
وبيناتٍ من الهدى والفرقان، بيناتٌ واضحات أنزله الله سبحانه وتعالى على هذه الصفة، على البينات؛ لا في غموض ولا في أسرار. ليس هناك جزءٌ منه ممنوع عن الجمهور وجزءٌ منه يعلمه العالمون أو الورثة مثلًا.
أبدًا، ليس هناك شيء من هذا. ما هو الكتاب؟ ها هو! أيُّ شخص يمشي في الطريق يشتريه، أيُّ شخص يريد أن يحفظه متاحٌ للجميع. جميع مَن؟ الجميع، الستة مليارات الذين على الأرض.
متاح، ما هذا؟ ليس هناك جزءٌ سري، ليس هناك شيء تُخفونه عن الناس. ها هو الذي في قلوبنا أمامنا، لكنكم أنتم الذين لا نريد أن أعمل لكم طيبًا. فأنت تُكره الناس؟ أبدًا ما لا يوجد إكراه [في الدين].
معنى فمن شهد منكم الشهر فليصمه والفرق بين الشهود والرؤية
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]
قال: "مَن رأى"؟ قال: هذه [لو] تبقى كانت تبقى مصيبة كبرى؛ كان يجب على كل واحد أن يرى الهلال بعينه، قال وإلا قال ماذا؟ قال: "مَن شَهِدَ". شَهِدَ يعني ماذا؟ يعني حَضَرَ.
المفتي يقول غدًا رمضان، فيكون غدًا رمضان. فمن شهد منكم الشهر فليحضر، حَضَرَ أنه غدًا رمضان فلا نصنع فتنًا: وغدًا رمضان أم ليس غدًا رمضان؟
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]
فأما الذي لم يشهد منكم الشهر فلا يصوم حتى يُكمل العدة ثلاثين يومًا. فمن شهد أي حضر منكم الشهر فليصمه.
الفرق الدقيق بين كلمة رأى وكلمة شهد في آية الصيام وختام اللقاء
انظروا إلى البساطة وانظروا إلى الدقة؛ ليس "مَن رأى" كمن "شَهِدَ" [فالشهود هو الحضور والعلم، وليس الرؤية البصرية بالعين].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة [الله وبركاته].
