سورة البقرة | حـ 179 | آية 158 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة "إن الصفا والمروة من شعائر الله" تؤسس لمبدأ مهم في التغيير: عدم هدم كل شيء سابق بل الاحتفاظ بالحق منه.
- •أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قاعدة "ابدؤوا بما بدأ الله به" عندما سُئل عن البدء في السعي، لتصبح منهجاً عاماً في الترتيب بالعبادات.
- •القاعدة تشير إلى أهمية تدبر القرآن وفهم معانيه والانتباه للسياق والترتيب الذي وردت به الأحكام.
- •شعائر الله تعني أن الله حدد زمانها ومكانها وكيفيتها، ولا يجوز لأحد تغييرها أو التلاعب بها.
- •تعظيم شعائر الله يكون باحترامها والاستمرار عليها وجعلها مدخلاً للعبادة.
- •الإسلام لا يرفض كل ما كان عند المشركين، بل يقر الحق منه ويرفض الباطل.
- •ختمت الآية بـ"ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم" لتشجيع المسلمين على الإكثار من العبادة والتطوع.
آية الصفا والمروة وما تحمله من أحكام وفكرة التغيير في الإسلام
﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]
هذه الآية فيها أحكام ووراءها فكرة. أما الفكرة فهي أننا إذا أردنا التغيير فإننا لا نهدم كل ما كان سابقًا، بل نهدم الباطل فقط، وعلينا أن نعود إلى الحق؛ فالحق أحق أن يُتَّبع.
قاعدة ابدؤوا بما بدأ الله به وأهمية الترتيب في العبادات
وأما الأحكام، فعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السعي بين الصفا والمروة بأيهما نبدأ؟ قال:
قال رسول الله ﷺ: «ابدؤوا بما بدأ الله به»
فصارت مبدأً عامًّا: ابدؤوا بما بدأ الله به. أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى قاعدة مهمة، وهي أن الترتيب معتبر؛ لأنه لم يقل "إن المروة والصفا"، قال ماذا؟
﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: 158]
فابدؤوا بما بدأ الله به. وابدؤوا بما بدأ الله به هذه ستجعلنا في الوضوء مثلًا نبدأ بغسل الوجه، ثم باليدين، ثم بمسح الرأس، ثم بغسل الرجلين. لماذا؟ ابدؤوا بما بدأ الله به، لقد أصبحت قاعدة.
قاعدة التدبر والتأمل في القرآن وفهم السياق عند التلاوة
إذن إن الصفا والمروة، لما قال «ابدؤوا بما بدأ الله به» يقول لنا: ما هي القاعدة الفهمية؟ القاعدة الأساسية للفهم ما هي؟ يقول: انتبه إلى القرآن، اقرأه بتأنٍّ، لا تقرأه هكذا مثل الصحافة، لا تقرأها كالجريدة هكذا وأنت نائم وأنت لا تتدبر.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
واحدة [من هاتين الآيتين تكفي للتنبيه]:
﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: 158]
آه، يبقى البدء هنا! آه، هذا يريد أن يشغل ذهنك. هذا لما قال «ابدأ بما بدأ الله به» يرشدك إلى قاعدة يجب أن تتبناها وأن تكون في ذهنك عند تلاوة كتاب الله.
التدبر يشمل فهم الألفاظ والسياق والترتيب في القرآن الكريم
وهذه القاعدة هي التدبر والتأمل، ليس فقط في فهم معاني الألفاظ، بل أيضًا في فهم السياق والسباق.
السياق عامل مهم: ماذا قال أولًا وماذا قال ثانيًا؟ قال "الصفا" فيجب أن أبدأ بما بدأ الله به في الأول.
وجوب تعظيم شعائر الله واحترامها والاستمرار عليها وجعلها مدخلًا للعبادة
من شعائر الله، وما دام من شعائر الله فيجب علينا أن نحترمها.
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
ولا بد لنا أن نستمر فيها؛ شعائر الله هكذا لها الديمومة، ولا بد لنا أن نجعلها مدخلًا للعبادة، أن نجعلها مدخلًا للعبادة؛ لأن شعائر الله شأنها هو التعبد بها.
عدم جواز تغيير شعائر الله في السعي والطواف والحج بحسب الأهواء
فلا يأتي أحد يقول لي: حسنًا ما رأيك أن نبدأ بالمروة أفضل وانتهى الأمر؟ لا، لا يصلح. بين الصفا والمروة لا نطوف من أي جهة، الناحية الأخرى من الكعبة لا تصلح.
لماذا لا تصلح؟ لماذا؟ إن هذه شعائر الله أن تفعل ذلك [على هذا النحو المحدد].
وهذا يضع لنا قاعدة تقول: كن وقّافًا في شعائر الله؛ فلن نستطيع أن نخلط في الصلاة ولا في الزكاة ولا في الحج ولا في كذا إلى آخره.
فلا يأتيني أحد ويقوم ويقول: ما رأيكم يعني لما نصنع كعبة هنا ونطوف ونسعى وانتهى، بدلًا من تكاليف الحج، ألا ينفع؟ أم يأتي أحد يقول: ما هو العالم ازداد، فهيا نجعل هذا الحج في كل السنة، كفى هذا التضييق الذي تقومون به، تفعلونها يومًا واحدًا تسعة [ذي الحجة]، وقفة في عرفة وكذا، فلنجعلها كل السنة!
معنى شعائر الله أن الله وحده هو الذي حدد الزمان والمكان والكيفية
لا لا يصلح. ما الذي يجعلكم تقولون لا يصلح؟ إنه يقول: من شعائر الله.
فما معنى من شعائر الله؟ شعائر الله تعني: هذا مختص بالله، هو الذي حدد الزمان، وهو الذي حدد المكان، وهو الذي حدد الكيفية، وهو الذي حدد البداية والانتهاء، وهو الذي حدد كل هذا عبادةً وإظهارًا للطاعة.
وهذا أساس من أسس الإسلام. فلما يأتي أناس يفكرون بهذه الطريقة، فما معنى ذلك؟ إنه فقد معنى شعائر الله. حسنًا، وإذا فقده فماذا يفعل؟ انتهى الأمر، فأصبح يفكر كما يشاء، فتسمع أفكارًا من هنا إلى آخر الدنيا.
الآية تأمر بالالتزام بالعبادة وتعظيم شعائر الله باحترامها والاستمرار عليها
إذا كانت هذه الآية تأمرنا بالالتزام بالعبادة، وذلك أن:
﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ [الحج: 32]
وهذه [الصفا والمروة] من شعائر الله، فيجب أن نعظمها. بماذا؟ يجب باحترامها والاستمرار عليها وجعلها مدخلًا للعبادة.
توضيح السيدة عائشة أن السعي بين الصفا والمروة ليس سنة بل واجب
فلا جناح عليه، فهم بعض الناس أنها [أي السعي بين الصفا والمروة] يمكن أن تكون سنة [مستحبة فقط]، فنفت عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك، ووضحت أنه «لا جناح عليه» [معناها] أن نستمر على ما كان يفعله المشركون؛ لأنه الحق.
ليس لدينا مشكلة مع الناس [في هذا الأمر]؛ ليس كل ما يفعله المشركون يكون نجسًا وخطأً، لا. فنحن نفكر بعقولنا ملتزمين بربنا، نفكر بعقولنا لكي نفهم وملتزمين بكلام ربنا.
فقال [أحدهم]: هذا ليس من عند الله إذن تنفصل عمّا [كان عليه المشركون]. حسنًا، هذا كان يفعله الجاهلون، حسنًا، فإن الجاهليين كانوا يفعلون الخير؛ فحاتم الطائي كان كريمًا، وعبد الله بن جدعان كان يُضيف ضيوف الرحمن.
النبي ﷺ كان يقبل خطط الرشد من المشركين ويوفي بعهوده معهم
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «والله لا يطلب مني خطة رشد إلا فعلتها لهم»
خطة رشد، ليس لأنهم مشركون أنجاس فلا نكلمهم، لا أبدًا. ووفّى معهم بوعده في الحديبية.
تدرس الحديبية هذه، شيء مدهش، شيء جميل جدًّا! سهيل بن عمرو يأتي ويكتبه [الصلح]، قبل أن يوقعه يأتي ابنه أبو جندل، فيقول له [سهيل]: انتهى ما اتفقنا. قال له [النبي ﷺ]: لكن ما وقّعنا. قال له: والله أخاصمك عليها يا محمد أبدًا.
طيب، ماذا يعني هذا عند الله؟ ما ليس في ذمة [المسلمين] إن الله شيء [أي ليس ملزمًا بعد]. يعني سهيل بن عمرو هذا حينئذ [له حق]، أم لا؟ أم لا يأخذ أبا جندل؟ لا، يجب أن نوفي بالعهود الدولية ونفكر بعقولنا.
ختام الآية بفضل التطوع في الحج والعمرة وأن الله شاكر عليم
ولذلك هذه الآية آية عظيمة جدًّا وفيها من الخير ما فيها. ثم يختتمها بقوله:
﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]
وهذا يأتي في تطوع الحج والعمرة؛ كلما أكثرنا من هذا عبادةً لله وإخلاصًا للتوبة وبدءًا بصفحة جديدة مع الله، فإن الله يشكر ذلك وهو عليم بنياتنا.
والحمد لله رب العالمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
