سورة البقرة | حـ 163 | آية 147 : 149 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الحق من الله تعالى، وعلى المؤمن ألا يكون من المتشككين، فالمسلم ينطلق من الإيمان إلى العمران وليس العكس.
- •الوحي يجيب عن الأسئلة النهائية التي يعجز البشر عن الإجابة عنها بأنفسهم: من أين أتينا؟ وما الغاية من وجودنا؟ وماذا بعد الموت؟
- •قال تعالى: "ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا"، فالإنسان لم يشهد الخلق ليجيب عن هذه الأسئلة.
- •الإيمان وحده لا يكفي، بل على المؤمنين أن يسابقوا غيرهم في الخيرات، فالله تعالى يقول: "فاستبقوا الخيرات".
- •عندما سابق المسلمون قادوا العالم وعلّموا البشرية، وعندما استرخوا تراجعوا.
- •قوله تعالى: "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام" يرسم دائرة وليس خطاً مستقيماً، والدائرة أكمل من الخط المستقيم.
- •التميز يكون بالعمل الصالح والمسابقة في الخيرات والالتزام بأوامر الله تعالى.
مقدمة وتلاوة قاعدة الحق من ربك فلا تكونن من الممترين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]
هذه [الآية] تعمل مثل ماذا؟ قاعدة نكتبها هكذا في لوحة ونعلّقها فوق رؤوسنا، قاعدة حقيقة:
﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]
فائدة الوحي الانطلاق من الإيمان إلى العمارة لا العكس
فائدة الوحي ما هي؟ أن تنطلق من الإيمان إلى العمارة، لا أن تنطلق إلى العمارة للإيمان [أي لا تجعل العمارة وسيلة للوصول إلى الإيمان]. هذه فائدة الوحي.
بعض الناس قال لك: أنا لا يوجد وحي. قالوا: ماذا إذن؟ قال: نبحث ونرى ما هي الحقائق. حسنًا، هيّا ابحث! فقعد يبحث في الفلك، في الجيولوجيا، في تاريخ الإنسان، في كل شيء؛ لكي يجيب على الأسئلة النهائية: من أين أنا؟ وحتى الآن لم يُجِب.
أنا مُجيب: خلقني ربي. وماذا نفعل هنا؟ وحتى الآن لم يُجِب. أنا مُجيب: خلقني ربي. وماذا نفعل هنا؟ حتى الآن لم يُجِب، لكني أجبتُ:
إجابات الوحي على الأسئلة الكبرى عن الخلق والغاية والمصير
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
العبادة والعمارة والتزكية [هي غاية الوجود]. وماذا سيكون غدًا بعد الموت؟ قال [غير المؤمن]: لا أدري، وحتى الآن ما أجاب.
أنا مُجيب وأقول:
﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 4-6]
فالإجابة هذه [التي جاء بها الوحي] انطلِق منها إذن لعمارة المجتمع البشري، لعمارة الأرض، لشيوع الخير، لمنع الفساد، وأنا مؤمن بالله وباليوم الآخر.
الفرق بين المؤمن المنطلق من الإيمان والحائر الذي لم يجد إجابة
حسنًا، هو [غير المؤمن] منطلق من يقول: انتظروا حتى أُجيب، ولكن حتى الآن لم أُجِب. فالله قال:
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]
هذه [الآية] تفسّر لك هذا:
﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]
يعني من المتشككين الذين لم يتخذوا قرارًا بعد. أما المسلم فهو ينطلق من الإيمان إلى العمران، وأما الآخر فهو حائر.
المسلم ينطلق من الإيمان إلى العمران ومأمور بالمسابقة في الخيرات
تستطيع أن تقول هكذا: المسلم ينطلق من الإيمان إلى العمران وليس بحائر، وليس بحائر.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُوا ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ [البقرة: 148]
ربنا يقرّر الاختلاف الذي في البشر، وأن كل طائفة ذاهبة بما اقتنعت به. ولكن متى تكون متميزًا أيها المؤمن؟ هل بمحض إيمانك؟ قال: لا، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ إذن أمرك أن تسابق غيرك ممن لم يؤمن إيمانك في الخيرات.
الحاصل أن كثيرًا من الناس قد سبقونا بالخيرات. فهل هذا تشريف أم تكليف؟ هذا تكليف يحقق:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]
فاستبقوا الخيرات.
المسابقة في العمران شرط التميز وحساب الله على ما قدمنا
أنت مؤمن وستتوجه من الإيمان إلى العمران ولن تبقى حيرانًا، ما يكفي! لا بدّ عليك أن تسابق في هذا العمران. فلمّا سابق المسلمون قادوا وتصدّروا وعلّموا البشرية؛ أنكر من أنكر، وعرف من عرف، وجهل من جهل. ولمّا استرخى المسلمون وتركوا المسابقة إذن لم يفعلوا هذا الأمر.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 148]
ربنا سيجمع كل هذا الشتات يوم القيامة ويحاسبنا على ما قدّمنا من خير أو من شر.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 148]
التوجه نحو المسجد الحرام والحق من الله يبطل الجدال ويوجب العمل
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ [البقرة: 149]
وقلنا: الحق عندما يأتي من الله فلا تكن من الممترين، وأبطِل الجدال.
﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 149]
هناك ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُ الْآخَرُونَ﴾، وهنا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. فلا تظنّ نفسك أنك متميز إلا بالعمل الصالح، إلا بالمسابقة في الخيرات، إلا بالالتزام وقُل: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
التوجه شطر المسجد الحرام يرسم دائرة لا خطًا مستقيمًا وهذا يدل على كمال الإسلام
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 150]
فرسم الدائرة. انتبه! لمّا قال هكذا رسم الدائرة؛ لأنك من حيث خرجت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام. فلا يوجد هناك من يقول لك: اتّجه مثلًا إلى المغرب أو اتّجه إلى المشرق. حسنًا، إلى المشرق، إلى المشرق، اتجاه واحد هكذا، لا توجد دائرة، في خط مستقيم.
ودائمًا وأنت في مكان ومتوجّه إلى المشرق وسائر إلى المشرق، فإن مكانك دائمًا يكون خلفك. يعني الواحد نظر للشرق هكذا ومشى، فظلّ يمشي. مشيتَ من هنا [إلى] الباكستان فتكون مصر وراءك والكعبة وراءك.
لكن لمّا قال:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 150]
رسم دائرة. طيب، الخط المستقيم غير الدائرة. قال لك: أصلًا ما يوجد خط مستقيم أصلًا في الكون! هذا جزء من دائرة. إذن الخط المستقيم يكون ماذا؟ جزء من دائرة.
إذن الدائرة هي الأكمل أم لا؟ نعم، الدائرة هي الأكمل؛ [وهذا يدل على] كمال الإسلام مع غيره من الأديان.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم.
