سورة البقرة | حـ 155 | آية 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 155 | آية 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • آية "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" تحمل مدحاً وتشريفاً للأمة الإسلامية، مع تكليفها بأن تكون شهيدة على الناس.
  • يتعين على المسلمين تحقيق الريادة والقيادة للبشرية نحو ذكر الله وعمارة الأرض وتزكية النفس، وإلا فقد رفضوا البشارة.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم هو الضابط المعرفي المعصوم الذي يبين كيفية تطبيق الوحي المطلق على الواقع المتغير.
  • حفظ الله القرآن والسنة ليتمثل المسلمون برسول الله ويتبعوه في المنهج.
  • تحويل القبلة كان اختباراً للإيمان، وقد أكد الله أنه لا يضيع إيمان المؤمنين.
  • "وما كان الله ليضيع إيمانكم" تؤسس لمبدأ أن القانون لا يسري بأثر رجعي.
  • القرآن سبق القوانين الوضعية في تقرير مبدأ عدم رجعية الأحكام بقوله "عفا الله عما سلف".
  • عند نزول حكم عدم الزواج بأكثر من أربع، لم يطبق على الزيجات السابقة إلا بالتخفيض إلى أربع.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في تفسير آية الوسطية من سورة البقرة وما جمعته من معانٍ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة العجيبة التي جمعت من المعاني، ومن المناهج، ومن التشريف، ومن التكليف، ومن الأنوار، ومن الأسرار ما جمعت. يقول:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]

ووسط الشيء أحلاه وأعلاه وأغلاه.

تشريف الأمة بالوسطية وتكليفها بالشهادة على الناس

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]

كلام فيه مدح لهذه الأمة وفيه إيذان بتشريفها. فماذا نفعل يا ربنا حتى نكون كما قلت؟

﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 143]

من أجل أن تكونوا، لتكونوا شهداء على الناس. فإذا تحققنا بـقيادة البشرية وريادتها إلى ذكر الله، وإلى عمارة الأرض، وإلى تزكية النفس؛ فقد أصبحنا شهداء لله.

وإذا قد تخلينا عن الريادة والقيادة فإننا نكون قد رفضنا البشرى، كما رفضها بنو تميم كما ورد في [صحيح البخاري] وغيره.

الضابط المعرفي لتطبيق الوحي وهو اتباع النبي ﷺ

﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

تكليف آخر: أن منهجكم في الحياة لا ينبغي أن يكون هكذا من عند أنفسكم، بل لا بد لكم من ضابط أسموه الضابط المعرفي.

ما هو الضابط المعرفي هذا؟ واحد يبيّن لي كيف أطبّق ذلك الوحي المطلق الذي تجاوز الزمان والمكان في هذا الواقع المتغير الذي نعيشه ساعة بساعة ويومًا بيوم.

ومن هو ذلك الضابط المعرفي؟ لا بد أن يكون معصومًا. ومن هو ذلك المعصوم؟ هو سيد الخلق أجمعين، هو نبي رب العالمين، هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

دور النبي ﷺ كضابط معرفي لتطبيق المطلق على النسبي

ضابط معرفي يضبط إيقاع تطبيق المطلق على النسبي إذا أردنا أن نتكلم بكلام الفلاسفة.

هذا كلام الله تجاوز الزمان والمكان وكأنه قد نزل الآن، تجاوز الأشخاص والأحوال وكأنه قد خاطبنا. كيف أطبّقه؟ كيف أفهمه أولًا وأحلّله ثانيًا وأطبّقه ثالثًا؟

لا بد عليّ من مثال نتشبّه به، ومن هذا المثال؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحفظ الله لنا السنة وحفظ الله لنا القرآن من أجل أن نتمثّل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

تحويل القبلة اختبار للإيمان بالرسول ﷺ وصدق الاتباع

﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 143]

فالذين آمنوا بصدق الوحي والذين آمنوا بأن هذا [محمدًا ﷺ] رسول من عند الله؛ سهل عليهم الأمر لأنه يبلّغ عن الله.

ولكن أولئك الذين ترددوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فماذا حالهم مع الله؟ كبيرة، ويتيهون في التفسير وفي التحليل.

فيأمرنا ربنا أن ننطلق من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا نتوه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله.

معيار رسول الله ﷺ في إدراك الواقع بالإنصاف والعدل

عندما نأتي لندرك الواقع ندركه من خلال معيار واضح، وهو أن رسول الله ﷺ كان منصفًا، كان عادلًا، كان دقيقًا، كان واضحًا، لم يتبع الهوى، طلب البرهان، بحث عن الحق وعلّمنا كيف نبحث عنه.

مبدأ عدم ضياع إيمان من مات على القبلة القديمة عند الله

هذا هو الأمر.

﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ [البقرة: 143]

قاعدة ومبدأ: ماذا سيفعل أولئك الذين لم يدركوا القبلة الجديدة ممن مات وسبقنا؟ لا شيء؛ من الذي أمر بالقبلة القديمة؟ الله. ومن الذي أمر بالقبلة الجديدة؟ الله. والله سبحانه وتعالى لا يحاسبكم إلا على ما أمركم به.

فعمل الله القاعدة مثل قاعدة:

﴿وَمَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الكهف: 49]

قاعدة:

﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ [البقرة: 143]

قاعدة، هكذا هو المبدأ القرآني.

تسمية الصلاة إيمانًا لأن المقصود الإيمان بالرسول واتباعه

﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ [البقرة: 143]

صلاتكم الأولى وإيمانكم. لماذا سمّى الصلاة إيمانًا؟

لأن الصلاة ليست هي المقصودة، بل المقصود أنكم قد آمنتم بالرسول ﷺ فاتبعتموه، هذا هو المقصود. فأطلق على الصلاة اسم ركنها الأهم وهو الإيمان بالرسول ﷺ.

﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ [البقرة: 143]

إيمانكم بالرسول ﷺ حين اتبعتموه وصدّقتموه في أن هذه هي القبلة؛ فرضي الله عنكم بتصديقكم له وبإيمانكم به صلى الله عليه وسلم.

مبدأ عدم سريان القانون بأثر رجعي وأصله في القرآن الكريم

يقرّر ربنا مبدأ اتخذه الناس وهو أن القانون لا يسري بأثر رجعي. فعندما تذهب إلى القانونيين يقولون لك هذا: إن لدينا مبدأ مهمًّا جدًّا للإنصاف والعدل، ما اسمه؟ لا قانون بأثر رجعي.

فعندما يصدر القانون اليوم فليحاسب الناس من اليوم، أما الأمس فعلى القانون القديم.

وهذا ما هذا؟ اكتشاف؟ قالوا إن هذا اكتشاف كبير جدًّا ونحن اكتشفناه. حسنًا:

﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]

ها هو يقول إن القانون ليس له أثر رجعي.

أمثلة قرآنية على مبدأ عدم الأثر الرجعي كتعدد الزوجات وقصة غيلان الثقفي

وهذه مثل:

﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]

﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]

كل هذا معناه لا أثر رجعي للقانون. فعندما خاطبنا الله بأن لا نتزوج أكثر من أربع، كان في الماضي يتزوج [الرجل] حتى عشرًا وعشرين.

قال له: لا، يكفي أربع. فماذا عن الباقي، فماذا نفعل؟ قال:

﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]

لكن من اليوم أربع فقط. فـغيلان الثقفي طلّق ستًّا من العشر اللواتي كان متزوجًا بهن؛ ليس هناك أثر رجعي.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.