سورة البقرة | حـ 167 | آية 151 : 152 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 167 | آية 151 : 152 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • امتن الله علينا بإرسال رسوله الكريم وما قام به فينا من خمس منن: تلاوة الآيات، والتزكية، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة، وتعليم ما لم نكن نعلم.
  • من نعم الله إرسال رسوله بالهدى ليخرجنا من الظلمات إلى النور، وتبليغه رسالة ربه وترك كتاب محفوظ.
  • علمنا الرسول الخلق الكريم بحياته وسلوكه، وزكانا وطهرنا، وعلمنا الرحمة والصبر والتوكل والحب في الله.
  • مصادر الإسلام في كتاب الله وسنة رسوله وسيرته، حيث شرح الرسول كتاب الله لأن كتاب الله لا تنتهي عجائبه.
  • بين لنا النبي كيف نفهم كلام الله ومراده من الكتاب، وعلمنا أيضاً الحكمة وهي كيفية التعامل مع الأوامر والنواهي ومراتبها.
  • أنشأ فينا القدرة على فهم الواقع وإدراكه، وعلمنا أن الكون من عند الله وليس صدفة، وأن القضايا هي الأساس وليست الشهوات.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس ومنة الله بإرسال الرسول الكريم وبيان ما قام به فينا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سورة البقرة، مع كتاب الله، يقول ربنا فيها وهو يمتنّ علينا بإرسال رسوله الكريم، وبما قام فيه وبما قام به فينا:

﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ [البقرة: 151]

هذه هي المنة رقم واحد.

﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا﴾ [البقرة: 151]

رقم اثنين.

﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ [البقرة: 151]

رقم ثلاثة.

﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [البقرة: 151]

رقم أربعة.

﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 151]

رقم خمسة.

﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]

واجب الذكر والشكر المترتب على منة إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم

من أجل هذه المنة [منة إرسال الرسول ﷺ وما قام به فينا] يجب علينا أن نقوم بواجبٍ فرضه الله علينا:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

فإذن الحمد لله الذي جعلنا مسلمين. من نعمة الله علينا أن أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.

من نعمة الله علينا أن أرسل إلينا رسولنا الكريم ليخرجنا من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

من نعمة الله علينا أنه قد بلّغ عن ربه فما قصّر بتوفيق الله له، فترك لنا كتابًا محفوظًا يتلو عليكم آياته.

المصدر الأول هو كتاب الله والمصدر الثاني هو سنة رسول الله وسيرته

إذن المصدر الأول هو الكتاب:

﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا﴾ [البقرة: 151]

ثم يعلّمكم الخلق الكريم بحياته وبسلوكه، بفعله وبقوله. ويقول صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» رواه أحمد ومسلم والنسائي

قال رسول الله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» رواه أبو هريرة

قال رسول الله ﷺ: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» رواه أبو أمامة الباهلي

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» رواه عمر بن الخطاب

تعليم رسول الله الأمة التزكية والأخلاق الكريمة وأصول العبادة والإصلاح

يعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزكّينا ويطهّرنا ويعلّمنا كل خلق كريم؛ علّمنا الرحمة والرأفة، علّمنا الصبر، علّمنا التوكل على الله، علّمنا الحب في الله.

علّمنا كيف نصلح في الأرض، علّمنا كيف نذكر ربنا، وكيف نعبده، وكيف نعمر كوننا، وكيف نزكّي أنفسنا.

إذن مصادر الإسلام في كتاب الله وفي سنة وسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

دور السنة النبوية في شرح كتاب الله وربط المطلق بالنسبي في حياة البشر

وهذه السيرة وتلك السنة لهذا الكتاب، وتلك التزكية عليها شرح؛ يعني رسول الله يشرح لنا كتاب الله. فإن كتاب الله لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق من كثرة الردّ، وهو كلام الله وهو غير مخلوق.

فلمّا نزل [كتاب الله] إلى الحياة الدنيا وتلاه الناس بألسنتهم وكتبوه في أوراقهم، وصارت الأوراق مصاحف، وتكلّمنا به في صلواتنا تلاوةً وقراءةً، احتجنا إلى ربط ذلك المطلق بذلك النسبي، ذلك القديم بذلك الحادث؛ كلام الله الذي هو أعلى الكلام بحياة البشر التي فيها التغيير.

فكيف يتمّ ذلك؟ يتمّ بأن النبي صلى الله عليه وسلم يبيّن لنا كيف نفهم كلام الله، فيعلّمنا ليس فقط يتلو علينا الآيات، لكن هذه قضية نقلية توثيقية قام بها خير قيام.

حفظ الكتاب عبر الأجيال والحاجة إلى تعليم النبي معانيه ومراد الله منه

أصبح الكتاب معنا يحفظه الصحابة ويحفظه من بعدهم إلى يوم الدين.

فما معنى هذا الكتاب؟ وكيف نفهم هذا الكتاب؟ وكيف نتوصل إلى مراد الله من هذا الكتاب؟ فأتت النعمة الثالثة [من نعم إرسال الرسول ﷺ]:

﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [البقرة: 151]

التزكية بالأمر والنهي ومراتب الأحكام الشرعية من الوجوب إلى الإباحة

حسنًا، وهو [رسول الله ﷺ] قد زكّانا بأن أمر ونهى. ولكن على أيّ مرتبة كان ذلك الأمر؟ وعلى أيّ مرتبة كان ذلك النهي؟

  • على مرتبة الوجوب أو على مرتبة الحرمة؟
  • على مرتبة الجزم، أو أنه على مرتبة الندب والكراهة يعني غير الجزم؟
  • أو أنه ترك الأمر فسيحًا على مرتبة الإباحة؟

كيف نتصرف في أمرين متعارضين؟ فعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكمة:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

الحكمة النبوية في تحقيق المقاصد وشرح الكتاب والسنة وبيان المنن الأربع

والحكمة تتغيّا المقاصد، تريد أن تصل إلى الأهداف، تحتاج إلى شيء من التدبّر والتدبير والتفكّر والتفكير. فعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله؛ علّمنا كيف نفهم كلامه وكيف نفسّره فيما أسماه بالحكمة، وهذه هي المنة الرابعة.

إذن أتى لنا بالمصدر الأول [الكتاب]، وأتى لنا بالمصدر الثاني [السنة]، وأتى لنا بشرح الأول [تعليم الكتاب]، وأتى لنا بشرح الثاني [الحكمة].

خير رسول الله دائم وعلمه لا ينفد حتى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى

فهل توقفت المسائل عند ذلك؟ قالوا: خير رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خير عميم دائم حتى بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؛ فهو يعلّمنا وعلّمنا وما زال يعلّمنا.

أي أن ما يعلّمنا إياه رسول الله ما ينفد ولم ينغلق. لو كان أنه جاء بالكتاب والسنة وشرح الكتاب والسنة لكفى، لكنه علّمنا وأنشأ في أنفسنا ما نستطيع أن ندرك به الواقع.

تعليم النبي الأمة إدراك الواقع والتمييز بين الحق والباطل وفضل الله العظيم

الواقع الذي تختلف قراءة الناس له؛ يرى الملحد هذا الكون أنه جاء صدفة، لكنه في الحقيقة جاء من عند الله. يرى المفسد في هذا الكون أن الشهوات هي الأساس، ولكن رسول الله علّمنا أن القضايا [القضايا الشرعية والإيمانية] هي الأساس.

فعلّمنا ما لم نكن نعلم، وكان فضل الله علينا عظيمًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.