سورة البقرة | حـ 158 | آية 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية "قد نرى تقلب وجهك في السماء" تتضمن فعل "نرى" وهو من أفعال العلم التي تأخذ مفاعيل متعددة، وليست قاصرة على الرؤية البصرية فقط، بل تشمل العلم والشهادة والفكر والمنام.
- •معنى "تقلب وجهك" يدل على تعدد الجهات التي نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يظهر تشوقه لاستجابة دعائه وتعلق قلبه بالكعبة المشرفة.
- •كلما تعلق قلب الإنسان باستجابة الدعاء واهتم به، كان أرجى للقبول، وهذا من آداب الدعاء التي تقوي الصلة بالله وتحقق خير الدنيا والآخرة.
- •السماء قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة، فرفع الأيدي للسماء لا يعني أن الله محصور فيها.
- •المسلمون يسجدون في اتجاه البيت الحرام سجود عبادة لله سبحانه وتعالى، وليس سجود عبادة للبيت، فهو سجود عبادة لله وتعظيم للبيت.
مقدمة الدرس وافتتاح تلاوة آيات من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، نقرأ هذه الآيات لعل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا بمراده. يقول ربنا:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ [البقرة: 144]
معنى فعل نرى وأنه من أفعال العلم التي تأخذ مفعولين أو ثلاثة
و «نرى» من أفعال العلم؛ «رأى» كـ «علم»، وأفعال العلم تأخذ مفاعيل ثلاثة، تأخذ ثلاثة مفاعيل. [مثال ذلك:] عَلِمَ الأستاذُ -وهو الفاعل- الطالبَ ذكيًّا أو مجتهدًا، فهذان مفعولان: الطالبَ مفعول أول، و ذكيًّا مفعول ثانٍ.
فـ «نرى» كـ «علم» تأخذ مفعولين وتأخذ ثلاثة مفاعيل، وهذا يجعل «رأى» ليست قاصرة على الرؤية البصرية، ليس [معناها] أبصرَ إطلاقًا.
المعاني المتعددة لفعل رأى بين البصر والعلم والمنام والفكر
تشمل [«رأى»] الرؤية البصرية، وتشمل الرؤية العلمية بمعنى عَلِمَ، وتشمل الحضور والشهادة، وتشمل الرأي والفكر، وتشمل المنام؛ رأيتُ رؤيةً في المنام ليس بعينك، أنت رأيتها بخاطرك وبعقلك الباطن كما يقولون.
إذن «نرى» من أفعال العلم، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى عندما يقول إنه قد رأى أي قد عَلِمَ عِلمًا من غير جارحة؛ لأن الله منزَّه عن الجوارح.
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
فـ العين هنا ليست كعين المخلوقين، وإنما العين هنا مجاز يدل على أن الله عليم بكل شيء سبحانه وتعالى.
معنى تقلب الوجه في السماء ودلالته على تشوق النبي لاستجابة الدعاء
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ [البقرة: 144]
و التقلب في الوجه معناه أنه [صلى الله عليه وسلم] كان [ينظر] في جهات مختلفة؛ لأنه قلَّبه أي غيَّره. فسبحانه وتعالى لما جاء في الآية بأنه قلَّب، يبقى معناها أنه نظر هنا ونظر هنا ونظر هنا.
وهذا يدل على تشوُّق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يُستجاب له الدعاء. وهذا يدل على شيء من التعلق في قلبه بالكعبة المشرفة، وهي محل نظر الله، وهي بيت الله العتيق، وهي أول بيت وُضع للناس، وصفه الله بالأمن والأمان وجعل فيه آيات بينات.
دلالة تقلب الوجه على شدة الإلحاح في الدعاء ولو في المرة الواحدة
فكلمة «تقلُّب» معناها تعدُّد الجهات التي نظر إليها [صلى الله عليه وسلم]. واحد يقول لي: حسنًا، ما يبقى انتهى، يبقى هو هكذا دعا كثيرًا؟ ونحن مرة في حلقة سابقة قلنا أنه ليس من الشرط أن يكون دعا كثيرًا، بل قد يكون دعا كثيرًا أو قليلًا.
نقول له: لا، ما هو قد يكون في الدعاء الواحد قد قلَّب وجهه في السماء؛ نظر هكذا: يا رب، يا رب، يا رب، يا رب، وهكذا. فيدل على شدة تعلقه وتشوقه لاستجابة ذلك الدعاء.
أثر تعلق القلب وحمل الهم على استجابة الدعاء وآدابه
وكلما تعلَّق قلب الإنسان باستجابة الدعاء وحمل همَّه في قلبه، كلما كان دعاءً أرجى للقبول. فإذا كان لأحدكم حاجة فليجعل قلبه مهتمًّا بها؛ فإن الله سبحانه وتعالى من رأفته ورحمته يستجيب لها.
فيبقى يعلمنا هنا [هذا الموضع من الآية] ماذا؟ آداب الدعاء. وآداب الدعاء هذه ستعلمنا قوة الصلة بالله، كما أن لها فائدة حياتية وهي أننا ننال من خير الدنيا والآخرة.
كيفية استجابة الدعاء بالإلحاح وتعلق القلب وحمل الهم فيه
[من أمثلة الدعاء:] اللهم ارزقني، فرزقك آه حلو ما هو! فيبقى مضيت هكذا: اللهم أنجحني، اللهم أسعدني، اللهم استرها معنا، إلى آخره من أنواع الدعاء الذي يعود على الإنسان بالخير.
كيف يُستجاب الدعاء؟ بـ الإلحاح فيه. كيف يُستجاب الدعاء؟ بـ تعلُّق القلب وحمل همِّه؛ حمَلتَ همَّ الدعاء في قلبك، في قلبك، فإنك تكون من المستجابين لهم إن شاء الله تعالى.
السماء قبلة الدعاء كما أن البيت الحرام قبلة الصلاة والله غير محصور فيها
في السماء قالوا: السماء قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة. يبقى إذن:
لماذا نرفع أيدينا إلى السماء هكذا؟ هل الله محصور في السماء؟ قالوا: لا، إن السماء قبلة [للدعاء]، كما نسجد لله ولكن أمام البيت الحرام. يأتي شخص جاهل فيقول لك: إن هؤلاء يسجدون للبيت! كلا، إنهم يسجدون في اتجاه البيت.
فالبيت يكون أمامنا هكذا، ولكننا لا نعبد البيت ولا نعبد صنمًا ولا وثنًا. نحن أهل التوحيد الخالص الذي أبرز الحقيقة، حقيقة المرسلين منذ آدم إلى خاتمهم صلى الله عليه وسلم. فنحن في الغاية القصوى والعظمى من التوحيد.
الفرق بين سجود العبادة لله وسجود التعظيم والتحية للبيت والمخلوقين
ولكن سجودنا إليه [أي إلى البيت الحرام] ليس سجود عبادة، بل هو سجود اتجاه، سجود تعظيم ليس للبيت، وإنما سجود عبادة لله سبحانه وتعالى. وفي الوقت نفسه هو فيه تعظيم لشأن ذلك الذي نتوجه إليه.
كسجود أهل يوسف ليوسف [عليه السلام]؛ سجدوا له سجود تحية وتعظيم وإجلال. كسجود الملائكة لآدم [عليه السلام]؛ سجدوا له سجود تحية وتعظيم وإجلال.
وكذلك سجودنا إلى جهة البيت هو سجود عبادة لله وتعظيم وتحية للبيت.
السماء قبلة الدعاء والبيت قبلة الصلاة وختام اللقاء
فـ السماء قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة.
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ [البقرة: 144]
وهنا يطول الكلام في هذا المقام، فإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
