سورة البقرة | حـ 160 | آية 144 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •أمر الله المسلمين بالتوجه إلى قبلة واحدة وهي المسجد الحرام، وهذا من مقومات وحدة الأمة مع أمور أخرى كالرسول الواحد والكتاب الواحد وشهر الصيام الواحد.
- •جعل الله محمداً خاتم النبيين لئلا تتشتت الأمة بالإيمان بأنبياء متعددين.
- •حفظ الله القرآن الكريم من التحريف ليبقى مرجعاً واحداً للمسلمين، رغم ترجمته لأكثر من 130 لغة.
- •التوجه للكعبة يكون على نوعين: استقبال عينها لمن يراها، واستقبال جهتها لمن لا يراها.
- •من يرى الكعبة يجب عليه استقبالها بدقة، ومن لا يراها يكفيه استقبال جهتها.
- •يُعد قوس الوجه (ما بين الأذنين مروراً بالأنف) هو المعتبر في استقبال القبلة، وليس فقط الأنف.
- •التسامح في انحراف المصلي البعيد عن الكعبة يصل إلى 45 درجة (22.5 درجة يميناً ومثلها يساراً).
- •هواء الكعبة ممتد في كل الاتجاهات، فالمصلي في أي بقعة من الأرض يستقبل هواء الكعبة.
وحدة الأمة الإسلامية في القبلة والرسول والكتاب والصيام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يأمر نبيه أن يتوجه إلى قبلة واحدة:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]
أمرنا ربنا بأن نكون أمة واحدة، وأن هذه أمتكم أمة واحدة. أمرنا ربنا بقبلة واحدة، وأمرنا ربنا سبحانه وتعالى برسول واحد وجعله خاتم المرسلين، ولم يجعل بعده نبيًا ولا رسولًا؛ حتى لا تتشتت الأمة، فيؤمن بعض المسلمين بالنبي الثاني ويكفر بعضهم، فإن أرسل ثالثًا آمن بعضهم وكفر بعضهم، فتتشتت هذه الأمة الواحدة.
أمرنا ربنا بصيام شهر واحد، وأمرنا ربنا ومنّ علينا بكتاب واحد لم يختلف عليه المسلمون شرقًا وغربًا، ولا سلفًا ولا خلفًا.
حفظ الله للقرآن الكريم وترجمته إلى أكثر من مائة وثلاثين لغة
تُرجم [القرآن الكريم] إلى أكثر من مائة وثلاثين لغة، والأصل باقٍ واحد واضح ظاهر، نراجع عليه كل الترجمات ونقول: هذه خطأ وهذا صواب، وهذا ينفع وهذا لا ينفع.
وهو كتاب واحد أصله واحد نرجع إليه، وتكفّل الله بنفسه بحفظه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
حتى لا تختلف الأمة، وقد كانت [أمة واحدة]. فالحمد لله الذي جعل القبلة مكوّنًا أساسيًا من وحدة الأمة.
التوجه إلى الكعبة بين رؤية العين واستقبال الجهة
وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتوجه شطر المسجد الحرام وهو الكعبة المشرفة، وذلك في حالتين:
- •الحالة الأولى: إما أن نراها [الكعبة]، فلا بد من أن نتوجه إلى عينها.
- •الحالة الثانية: وأما إذا لم نرها، فحينئذٍ نتوجه إلى جهتها، إلى اتجاهها وليس إلى عينها.
نراها [الكعبة] في مساحة ضيقة داخل مباني الحرم المكي، نرى الكعبة وحينئذٍ يجب أن نتخذها قبلة بعينها.
تعريف التوجه إلى عين الكعبة بشعاع الأنف للقريب منها
يعني ماذا [التوجه إلى عين الكعبة]؟ قال: يعني لو خرج شعاع من أنفك ووصل إليها، شعاع واحد. قال: شعاع واحد، يبقى تعريف التوجه أنه إذا خرج شعاع من أنفك، خط مستقيم من أنفك ليجدها [الكعبة]، هكذا هو.
حسنًا، نحن هنا في مصر نتوجه إليها كيف؟ قال: باتجاهها. قالوا: اتجاه، هذا كيف يُقاس؟ قال: إذا خرج شعاع من قوس وجهك — هناك من [قال:] من أنفك، وهنا الآن أصبحنا من قوس وجهك — فإنه يلاقي جزءًا منها أو من هوائها. انظر إلى الكلام هذا.
تعريف قوس الوجه وكيفية تحديده بين الأذنين مرورًا بالأنف
طيب، وقوس الوجه هذا أين؟ يعني ما هو قوس وجهك؟ أين قوس الوجه؟
قوس الوجه هو ما بين الأذنين، هذا خط هكذا يسير ما بين الأذنين مارًّا بالأنف، من أرنبة الأذن هذه إلى الأرنبة هذه مرورًا بالأنف. هذا القوس، ها هو فعلًا لو فعلنا هكذا نجده قوسًا.
أي شعاع إذن من هذا القوس، من أي موضع فيه يجد الكعبة، فتكون أنت هكذا أمام الكعبة، وتكون أنت هكذا شطر الكعبة، وتكون أنت هكذا مستقبل الكعبة.
جواز الانحراف خمسًا وأربعين درجة عن القبلة للبعيد عن الكعبة
قال: فيكون لو افترضنا أنني حسبت القبلة حسابًا دقيقًا جدًا وأنا هنا في ذلك المسجد في القاهرة، فخرج من أنفي شعاع إلى الكعبة وفعلًا وصل هناك، فإنه تجوز الصلاة حتى لو انحرف وجهي عن هذا الشعاع إلى أذني اليمنى، أو من الاتجاه الآخر انحرف إلى أذني اليسرى.
حسنًا، هذه تساوي كم درجة؟ قالوا: تساوي خمسًا وأربعين درجة من الدرجات المساحية.
الرد على من يثير مشاكل انحراف المساجد عن القبلة بدرجات قليلة
قال: يجب أن تكون القبلة — بعض الناس يثير مشاكل عليها، يقول لك: هذا المسجد هذا مبني خطأ، مبني خطأ! كيف؟ يقول لك: هذا منحرف درجتين هكذا عن القبلة.
يا سبحان الله! هل أنت ترى الكعبة حتى يكون منحرفًا درجتين هكذا عن القبلة؟ درجتين وأربع وخمس وعشر يمينًا، واثنين وعشرين ونصف شمالًا، جائز.
لماذا؟ قال: لأنك بعيد عن الكعبة، والذي بعيد عن الكعبة مطلوب منه الاتجاه وليس العين، وليس عين الكعبة؛ لأنهم لا يرونها. مطلوب منه اتجاه الكعبة، وهذا الاتجاه يتم بشعاع الأنف أم بشعاع قوس الوجه؟ قوس الوجه، وليس بشعاع الأنف، وإنما بشعاع قوس الوجه.
الرد على من يستغرب مسألة قوس الوجه ودعوته للتواضع والتعلم
قم يخرج لي واحد يقول لي: ولكن أول مرة نسمع يا مولانا! نعم، ما أنت ما سمعت شيئًا! ما ذهبت إلى الأزهر، ما قرأت حاشية ابن عابدين، ما قرأت المجموع للإمام النووي، ما قرأت! نحن قرأنا، فتواضع قليلًا.
هذا أول مرة حكاية قوس الوجه هذه يا مولانا أسمعها! فما أول لأول مرة قل الحمد لله.
وإلا فإن المشاكل يا سيدنا التي جلبناها هذه كلها وأحدثنا ضجيجًا بلا داعٍ، أفتكون إذن مشاكل باطلة أم ماذا؟ هذا هو الفارغ. قالوا: يصبح قاضيًا! فالناس الفارغون ماذا سيفعلون؟ سيحررون مكان القبلة ويتخاصمون عليه.
النهي عن التخاصم في القبلة وبيان حدود الانحراف الجائز
لا تتخاصموا، لا تتخاصموا؛ لأن الفقه يقول إن قوس الوجه — ليس يقول الأنف — لا يقول شعاع الأنف يجب أن يتصل إلى الكعبة، هذا يقول قوس الوجه شعاع منه.
وها نحن شرحنا: أو الأنف، ها هو يكون لو ظللت أعمل هكذا سأقول غاية، وأذني أيضًا صلاتي صحيحة. بعد أذني فلا تعود صلاتي صحيحة؛ قد انحرفت كثيرًا جدًا عن القبلة.
هذه اثنان وعشرون ونصف [درجة]، وهذه اثنان وعشرون ونصف، واثنان وعشرون ونصف. من أين يأتي؟ خمسة وأربعون على اثنين، وليس خمسة وأربعون على اثنين تخرج اثنين وعشرين ونصف، أيضًا تخرج [اثنين وعشرين ونصف].
استقبال هواء الكعبة يصح من أي مكان على وجه الأرض
وهذا الكلام للكعبة أو لهوائها؛ فهواء الكعبة من الكعبة، هواء الكعبة من الكعبة.
ولذلك لو صليت على جبال الهيمالايا أيضًا مستقبل هواء الكعبة، لو صليت في أي مكان على وجه الأرض فأنت لا تزال مستقبلًا لهواء الكعبة.
فاللهم اجعله بلدًا آمنًا وحرمًا آمنًا، وآمن روعاتنا يوم الدين.
