سورة البقرة | حـ 143 | آية 134 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تؤكد الآية الكريمة "تلك أمة قد خلت" مسؤولية كل إنسان عن إيمانه وأعماله، وأن العمل هو ميزان القيمة وليس النسب.
- •ترفض الآية فكرة العنصرية بكل أشكالها سواء كانت قائمة على العرق أو اللون أو الجنس أو العقيدة أو الغنى.
- •لكل إنسان ما كسب ولا يتحمل وزر غيره، كما قال تعالى: "لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون".
- •تؤسس الآية لنظام العدل في الأرض وترفض أخذ أحد بجريرة غيره كما كانت تفعل الجاهلية.
- •القرآن كتاب هداية للعالمين يخرج الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
- •تكرار الآية في القرآن يلفت النظر لقراءتها مرة أخرى لاكتشاف معانٍ جديدة، كما قيل "المكرر أحلى".
- •أهمية الآية تكمن في تأسيسها لمفهوم المسؤولية الفردية وإقامة العدل في الأرض.
مبدأ المسؤولية الفردية في الإيمان ونفي العنصرية
تلك أمةٌ قد خلت — أقرّت هذه الآية الكريمة أن كل إنسان مسؤولٌ مسؤوليةً معلّقةً في عنقه في الدنيا والآخرة في قضية الإيمان، وأنه من أبطأ به عمله لا يُسعفه نسبه.
ويبقى ما نراه في بعض الدول التي بُنيت على فكرة العنصرية؛ فلا ينتمي إليها وإلى مميزاتها أحدٌ من البشر لأنه ليس من عرقهم. وما نراه من فكرة العنصرية وفقًا للون أو للجنس أو للعقيدة، وما نراه من فكرة العنصرية وفقًا للغنى والفقر ونحو ذلك — كل هذا منفيٌّ بقوله تعالى:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: 134]
سواءٌ كانت تلك الأمة على خيرٍ أو على سوء. فهذا إبراهيم وأولاده — وما بالك لو كانت على سوء؟ تبقى مصيبتان: مصيبة العنصرية، وأنها عنصريةٌ مردودةٌ إلى قبيح. فلمّا نُفيت العنصرية حتى من الأكابر، نُفيت من باب أولى من الأسافل والأصاغر.
مبدأ العدل الفردي يوم القيامة وأن كل نفس تحاسب على عملها
تلك أمةٌ قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم؛ فلا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى يوم القيامة.
﴿يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]
يبقى:
﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]
صحيح، هو ما ليس فيه تناقض، ولا كلمةٌ مع أي كلمة؛ كله يرسم صورةً واحدة، لأنه من الحق ولأنه الحق.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
التحذير من الاعتماد على أعمال الأسلاف وتأسيس العدالة القانونية
تلك أمةٌ قد خلت — أوعوا [احذروا] أن تعتمدوا عليه إن أنتم أولادهم، أوعوا تقولوها وتُفسدوا بموجبها في الأرض. لها ما كسبت ولكم ما كسبتم.
خذ إذن الكلام الذي تُبنى عليه كل النظم القانونية، والذي يُؤسِّس العدالة في الأرض، ولا تُسألون عما كانوا يعملون.
لكن الجاهلية كانت تقول: يُؤخذ الجار بجريرة الجار؛ يذهبون ليُغيِّروا على هذه القبيلة لأن هذه القبيلة أخطأت، فيضربون من هو موجود ظلمًا. يذهبون فيهدمون بيوت الفلسطينيين ظلمًا، فإذا سُئلوا: لماذا تهدمون هكذا؟ يقولون: إن أحدًا منهم نظر إلينا نظرةً سيئة.
ولا تُسألون عما كانوا يعملون — يُقرِّر [هذا القرآن] نظام العدل الذي قد افتقدناه في السياسة وفي الحكم وفي القضاء في الأنحاء [أرجاء] العالم.
القرآن كتاب هداية يدعو إلى التحرر من العبودية لغير الله
كتاب هدايةٍ للعالمين، يدعو الناس إلى يوم الدين؛ أن يخرج الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد سبحانه وتعالى.
كتابٌ يأمر أتباعه بأن يسجدوا لله وحده وأن لا يسجدوا لمن سواه؛ فحرَّرهم من ذل التبعية وأدخلهم في شرف العبودية [لله وحده].
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 141]
سبب تكرار الآية في القرآن وفضل التكرار في إدراك المعاني
كلامٌ جميل، والكلام الجميل تحبون تكراره؛ خاصةً إذا فهمه الناس بأفهامٍ مختلفة، فنكرِّره حتى تنتبهوا إلى المعاني. فهذه الآية بالذات، وبعد صفحةٍ واحدة تجدونها مرةً أخرى، يقول ربنا فيها:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 141]
بنصِّها وفصِّها كما يقولون، حرفًا بحرف. قالوا: المكرَّر أحلى — ما المكرَّر الأحلى؟ السكر المكرَّر أحسن من السكر الذي بشوائبه؛ عندما يكرِّروه هكذا ويُبيِّضونه تجده أحلى من السكر الذي بعيوبه.
ولذلك قالوا: لمسلم فضلٌ على البخاري [في ترتيب الحديث]؛ أما قولهم إن [صحيح البخاري] فيه [تكرارًا]، فقلت: إن المكرَّر أحلى. أي عندما يأتي البخاري كان يُقسِّم الحديث ويكرِّره، فتجد فيه تكرارًا كثيرًا. أما مسلم فلم يكرِّر، بل أورد الحديث مرةً واحدة فقط هكذا.
فقالوا: أيُّ واحدٍ منهما أفضل؟ فقال: والله البخاري أفضل وأعلم، لكن قالوا إن فيه تكرارًا. فذهب [العلماء] إلى أن التكرار من فوائده أنه يلفت نظرك لتقرأ مرةً ثانية، فلعلك تكتشف فيها شيئًا.
