سورة البقرة | حـ 156 | آية 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير النص إلى مفهوم الوسطية في الإسلام من خلال قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا".
- •يتناول قضية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأن هذا التحويل كان اختباراً للمسلمين في طاعتهم لله.
- •حقيقة التكليف تكمن في أمر الله لعباده وطاعتهم له بقولهم: "سمعنا وأطعنا".
- •يوضح أن صلاة المسلمين السابقة نحو بيت المقدس لم تضع، وهذا ما بينه قوله تعالى: "وما كان الله ليضيع إيمانكم".
- •يُعلّم الله في الآية أدوات فهم القرآن، منها التفريق بين الحقيقة والمجاز، حيث أطلق لفظ "الإيمان" وأراد به "الصلاة".
- •يشير إلى قاعدة العدل في التشريع، وأن القانون لا يطبق بأثر رجعي.
- •العدل أساس العمران والملك، ومن مقتضياته عدم إبطال الأعمال السابقة.
- •العلم الصحيح يؤدي إلى الرأفة والرحمة، كما أن العدل يقود إليهما.
- •الشريعة جاءت لطلب العلم ورفع الحرج ونفي العذاب.
افتتاح الدرس بالحمد والصلاة وتلاوة آية الوسطية من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نطلب منه الهدى والهداية في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
وهذه [الآية] قد شرحناها في حلقة سابقة.
حكمة تحويل القبلة اختبار للطاعة وحقيقة التكليف الإلهي
﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 143]
اختبارًا وامتحانًا لكلمة سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. فحقيقة التكليف أن يأمر الله سبحانه وتعالى عباده، وأن يطيع هؤلاء العباد ربهم فيما أمرهم.
فلو قال لهم اتجهوا شرقًا لاتجهوا شرقًا، ولو قال لهم اتجهوا غربًا لاتجهوا غربًا، ولو قال لهم افعلوا لفعلوا، ولو قال لهم اصمتوا لصمتوا، أو تحدثوا لتحدثوا.
هذه حقيقة الطاعة: سمعنا وأطعنا؛ سمعنا أي سمعنا الأمر أو النهي، وأطعنا أي امتثلنا فنفذنا.
حقيقة التوحيد في الأمر والطاعة والإجابة على سؤال تحويل القبلة
والله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، والله سبحانه وتعالى فعّال لما يريد. هذه حقيقة التوحيد: أن الله يأمر وأن العبد يطيع.
ولذلك فإن الإجابة على هذا السؤال:
﴿مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]
ستكون أن الله أمر بذلك فأطعنا؛ هو الذي أمر بالقبلة الأولى [بيت المقدس] وهو الذي أمر بالقبلة الثانية [الكعبة المشرفة].
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ [البقرة: 143]
الحقيقة والمجاز في فهم كتاب الله وإطلاق الإيمان على الصلاة
وهنا يعلمنا الله سبحانه وتعالى أن من أدوات فهم كتابه وكلامه أن نفرق بين الحقيقة والمجاز؛ لأنه هنا قد استعمل كلمة من الكلمات التي يستعملها العرب فيما تدل عليه بالأساس، وهي كلمة الإيمان، فإنه أطلقها هنا ويريد الصلاة.
لأن السؤال كان من الناس: فما بال إخواننا الذين سبقونا بالإيمان إلى ربهم وقد انتقلوا إلى رحمة الله تعالى، وما بال صلاتهم وما موقفهم عند الله؟
الله سبحانه وتعالى قد فرض الصلاة إلى جهة بيت المقدس فصلّوا وامتثلوا وماتوا، ثم تحولت القبلة إلى الكعبة، فهل كانت صلاتهم باطلة؟
تعليم الحقيقة والمجاز في القرآن وإطلاق الإيمان مرادًا به الصلاة
يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى من ناحية أدوات فهم كتابه أن هناك في اللغة حقيقة ومجازًا، أن هناك حقيقة ومجازًا.
ولذلك كلمة الإيمان يدل على الصلاة مجازًا؛ لأن الصلاة لا تصدر إلا من مؤمن، فأساس الصلاة هو الإيمان، فأطلق الإيمان وأراد النتيجة التي تكون منه وهي الصلاة مجازًا.
إذن وأنت تقرأ القرآن فاعلم أن الكلام على الحقيقة والمجاز مدخل من مداخل فهم القرآن.
قاعدة العدل في التشريع وعدم جواز الأثر الرجعي للقانون
ويعلمنا [الله سبحانه وتعالى في هذه الآية] قاعدة العدل التي بها نسنّ القوانين، وهي أن القانون لا يجوز أن يكون بأثر رجعي؛ القانون يبدأ تنفيذه من حين صدوره لا قبل ذلك.
والله يحب العدل ويأمر بالعدل، ويجب عليك إذا ما سننت قانونًا أن تمتثل وتلتزم بالعدل؛ لأن العدل هو أساس العمران، هو أساس الملك.
وقالوا: لا يكون الملك إلا بالرجال، ولا يكون الرجال إلا بالمال، ولا يكون المال إلا بالعمران، ولا يكون العمران إلا بالعدل. فالعدل أساس الملك.
فمن صفة العدل أن يبدأ القانون في فعله وأثره منذ صدوره لا قبل ذلك.
تطبيق قاعدة العدل على آية حفظ الإيمان وعدم إبطال العمل السابق
فقد قال [الله تعالى]:
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ [البقرة: 143]
الإيمان السابق ليس هناك أثر رجعي لإبطاله، وإلا كان تكليفًا بما لا يُطاق، وإلا كان جورًا وظلمًا، والله لا يظلم أحدًا، ولا يظلم ربك أحدًا، وهو العدل ومن أسمائه العدل.
وهو سبحانه وتعالى فوق ذلك يعلمنا العدل. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الظلم ظلمات يوم القيامة»
وما كان الله ليضيع عليكم صلاتكم التي أديتموها على ما أمرتكم به، فإنني عادل، ويجب عليكم أن تكونوا عادلين وأن تتخلقوا بأخلاق الله سبحانه وتعالى وصفات جماله.
خلاصة الدروس المستفادة من الآية في العدل وفهم كتاب الله
هذا الذي نسترشد به من هذه الآية؛ نسترشد من هذه الآية بالأمر بالعدل، نسترشد من هذه الآية بكيفية فهم كتاب الله سبحانه وتعالى.
كلمة في كتاب الله نتعامل معها، فإذا بنا قد تعلمنا كيف تكون الحياة، وتعلمنا كيف يكون الفهم الذي يؤدي بعد ذلك إلى سعادة الدارين؛ إلى عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]
الفهم يؤدي إلى الرأفة والرحمة والجهل يؤدي إلى العذاب والضيق
يبقى إذن الفهم فيه رأفة، والجهل وهو عدم إدراك الواقع وعدم إدراك الأمر على ما هو عليه عذاب وضيق وحرج.
وجاءت الشريعة لطلب العلم ورفع الحرج ونفي العذاب، الشريعة جاءت هكذا: احذر أن تكون جاهلًا!
فأول ما قال [الله تعالى] قالت [الآية الكريمة]:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
وهذه القراءة تكون بماذا؟ باسم ربك، أي وأنت تبدأ باسم ربك، فدعت إلى الإيمان.
ولذلك فالعلم الصحيح يؤدي إلى الرأفة والرحمة، والعدل يؤدي إلى الرأفة والرحمة. فما دام الله سبحانه وتعالى يرشدنا ويوجهنا إلى العدل وإلى الفهم فهو يؤدي بنا إلى الرأفة والرحمة.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
