سورة البقرة | حـ 176 | آية 154 : 156 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 176 | آية 154 : 156 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الشهداء أحياء عند الله كما في قوله تعالى: "ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون".
  • الشهيد الحقيقي هو من سقط في معركة بين المسلمين والمشركين، أما من مات في قتال بين المسلمين فله أجر شهيد لكن تجري عليه أحكام الموتى.
  • البلاء في الإسلام هو للتذكير وليس للانتقام، فالله يمتحن العباد ليعودوا إليه.
  • قال تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين".
  • الابتلاء امتحان وليس انتقاماً، وهو محنة تحمل منحة ورحمة رغم شدتها.
  • يكون البلاء بقدر محدود "بشيء من" وليس بلاءً كاملاً.
  • الطريق للخروج من البلاء هو الصبر وعدم الانحراف والوقوع في الحرام.
  • الصابرون هم الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا "إنا لله وإنا إليه راجعون" ولم يعترضوا على أمر الله.
  • الصبر هو حبس النفس لله في الرضا والتسليم والتوكل.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

تفسير آية النهي عن وصف الشهداء بالأموات في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]

فهم أحياء عند الله، وفصّلنا القول فيها، وإن كنّا لا نشعر [بحياتهم]؛ لأنهم قد انتقلوا إلى الرفيق الأعلى، إلا أنهم على مرتبة الشهيد.

تعريف الشهيد وأحكام من يُقتل بين المسلمين في الفتنة

والشهيد من سقط بين المشركين والمسلمين [في ميدان القتال]، ولذلك إذا قامت حرب بين طائفتين من المسلمين فالقتلى ليسوا من الشهداء.

وإذا مات أحدهم هكذا بين مسلمين فليس بشهيد على الحقيقة، ولكن له أجر شهيد، لكن نصلي عليه ونكفّنه وندفنه وتجري عليه أحكام الموتى.

أما الشهيد [الذي قُتل في سبيل الله بين المسلمين والمشركين] فلا يُصلّى عليه، وليس إلا أن يُدفن في ملابسه التي لقي الله بها.

نظرية البلاء في القرآن هدفها التذكير بالله لا الانتقام

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155]

إذن هناك نظرية تُسمّى بنظرية البلاء، هدفها التذكير وليس هدفها الانتقام؛ التذكير بالله.

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

إذن هناك أنواع يكون فيها نوع من أنواع التذكير بالمصيبة أو الترقية.

البلاء امتحان من الله للعبد وليس انتقامًا منه بل تصحيحًا

إنما القول أنّ الله ينتقم منه؟ أبدًا! هذا [البلاء] لكي لعلهم يرجعون، لعلهم يرجعون [إلى الله].

ومن هنا سمّاها [الله] ابتلاءً؛ أي امتحان، وأنت عندما تدخل الامتحان فإنك تكون بين آية النجاح والسقوط، فالله يمتحنك وليس ينتقم منك، إنه يمتحنك ليرى هل سترجع [إلى طاعته] أم لا.

فبعض الناس يختلط عليهم الأمر؛ صحيح أن هذه البلوى نازلة لأننا على معصية، ولكنها ليست نازلة انتقامًا، إنها نازلة تصحيحًا، إنها محنة لكن فيها منحة، إنها فيها عذاب شدة ولكن فيها رحمة، وهكذا ربنا رحيم.

النهي عن الشماتة في المصائب وبيان أنها إحسان من الله للعبد

فبعض الناس يشمتون، لا تشمتوا! في ماذا [تشمتون]؟ هذا إحسان له كذلك؛ أنه يُصاب بالمصيبة الخفيفة حتى لا يُصاب بالمصيبة الكبيرة يوم القيامة.

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ يعني في امتحان واختبار، بشيء من — يعني قطعة كذلك صغيرة، وخزة تأديب بسيطة — بشيء من وليس بالخوف [كله]، يبقى هذا رعب، ولكن انظر كيف بشيء من الأشياء البسيطة هكذا.

تفصيل أنواع البلاء من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات

الخوف حيث لا يوجد أمن داخلي أو خارجي، نفسي أو مجتمعي.

والجوع فالجوع كافر، ويجعل الإنسان مضطربًا وليس في حالة التوازن، ويدعوه إلى أن يرتكب أفعالًا رديئة.

ونقص الأموال هذا أخفّ قليلًا؛ فالأموال نقصت فالمرء يحزن، لكن هي موجودة. وأنفس بعض الناس تموت لكن ليس كلهم.

والثمار اليوم هذه السنة محصولها قلّ قليلًا؛ محصول البرتقال ومحصول الموز ومحصول كذا، فارتفعت أسعار الفاكهة. فالإنسان بدلًا من أن يأكل فاكهة ليلًا ونهارًا حتى لا يُصاب بالبرد، يأكل هذا البرتقال لأن فيه فيتامين سي، فلا — لا يجد ما يأكله إلا مرة في الأسبوع، نقص ولكنه موجود.

الصبر على البلاء وعدم ارتكاب الحرام لتحصيل لقمة العيش

ما الطريق إلى هذا [الخروج من البلاء]؟ الله أول شيء هكذا.

﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 155]

إياك أن تنحرف وترتكب الحرام من أجل تحصيل لقمة العيش أو سدّ الجوع، أو إياك أن تفتري على خلق الله عندما يكون هناك نقص في الأموال أو في الثمرات.

فإذا فعلت ذلك وصبرت على حكم الله فأنت من الصابرين.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]

صفات الصابرين الذين يقولون إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة

من هم إذن هؤلاء الصابرون؟ الذين سيُفسَّر [حالهم]؛ دائمًا لأن «الذين» جاءت بعد معرفة، وبشّر قال: صابرين، قال: هؤلاء معرّفون، هؤلاء صابرون:

﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]

علّمنا [الله] الذكر ولا يزال هو من هناك [حيث] قال:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

الذين إذا أصابتهم مصيبة لم ينسوا الله، لم يتبرّموا، لم يعترضوا على أمر الله، وإنما في رضا، في تسليم، في توكّل، وفي عمل.

حقيقة الصبر حبس النفس لله وذكر إنا لله وإنا إليه راجعون

الصبر حبس النفس [عن الجزع والتسخّط]، فهذا [الصابر] قد حبس نفسه لله.

فعلّمنا [الله] من كنوز الذكر:

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]

عسى أن يوسّع صدرك، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.