سورة البقرة | حـ 195 | آية 174 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 195 | آية 174 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يحذر الله تعالى في سورة البقرة من كتمان ما أنزل من الكتاب واشتراء ثمن قليل به، فهؤلاء ما يأكلون في بطونهم إلا النار.
  • القرآن الكريم كتاب مفتوح للجميع، على عكس الكتب السماوية الأخرى التي حُجبت عن الناس وكتبت بلغات غير شائعة وحفظت في أماكن مغلقة.
  • يتميز القرآن بأنه متاح للأمي والعالم، يباع علانية ويقرأه الجميع مع تعظيمه وتقديسه.
  • لم يستطع أحد تحريف القرآن أو تغييره رغم انتشاره في أيدي الناس، وهذه معجزة إلهية.
  • يُذاع القرآن الكريم على مدار الساعة طوال أيام السنة ليسمعه الناس.
  • الضابط لفهم القرآن هو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي من الذكر المحفوظ.
  • لا يمكن كتمان شيء من القرآن لأنه موجود في كل بيت وبين أيدي الناس.
  • الذين يكتمون الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

تلاوة آية تحريم كتمان ما أنزل الله من الكتاب وعقوبته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا الهداية والهدى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174]

النهي عن تعطيل الكتاب وحجبه عن الناس كما فعلت الأمم السابقة

نهانا ربنا أن نعطل كتابه وأن نحجبه عن الناس، كما حُجب الكتاب عن الناس في أمم أخرى؛ فكُتب بلغات غير شائعة، وحُفظ في الخزائن وفي قدس الأقداس وفي بيوت لا يطلع عليها الناس.

ولكن كتابنا [القرآن الكريم] مسموع مقروء لا سر فيه، يقرؤه الأمي ويسمعه ويحفظه، ويقرؤه العالم والعامي، ويُباع في كل مكان علنًا من غير سر.

تعظيم المسلمين للمصحف مع إبقائه في متناول جميع الناس

وهو [القرآن الكريم] مقدس عندنا، نرفعه فوق رؤوسنا ونعظمه غاية التعظيم، لا نلمسه إلا ونحن على وضوء، وإذا وضعناه وضعناه في المكان الأجل الأعلى، لا نضع فوقه شيئًا ولا كتب العلم، ولا حتى أحاديث سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم. تعظيم شديد وحرمة عظيمة.

لكنه بأيدي الناس، لا نمنعه أحدًا، حتى غير المسلم:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]

القرآن كتاب مكشوف للجميع لا أسرار فيه والعينة بينة

يبقى اسمها [كما] نقولها في المثل المصري: "العينة بينة"، العينة بينة. لا يوجد أسرار، خُذ اقرأه، كل الناس تقرأه، كل الناس تقرأه جميعهم، بلغة واضحة جلية بينة.

بحيث أنه لو كتمنا شيئًا منه يأتي على الفور قائم النفر من هؤلاء [الحفاظ] ويقول: يا الله يا مولانا، يا مولانا ما هو [الصواب كذا]! ولو أخطأ حتى إمام في الصلاة وهو يصلي هكذا، أخطأ في همسة ولا أي حاجة، قم تجد الولد الصغير الذي يحفظ بهذا المقدار هو يرد عليه، ويجب عليه [أي على الإمام] أن يطاوعه، ألا يلتفت [ويقول]: لا يا ولد أنا أكبر منك. هذا هو الكتاب، والله أصله كله، كل الناس معهم.

الفرق بين كتمان الكتاب الحسي عند الأمم السابقة وحال القرآن الكريم

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [البقرة: 174]

فيبقى الكتاب والكتمان الحسي هكذا كان موجودًا [عند الأمم السابقة]؛ كان نفس الكتاب محفوظًا في قدس الأقداس بعيدًا عن الناس.

لكن الآن لا، كتابنا نحن لا [يمكن كتمانه]. ما الحجة؟ قال لك: لأحسن [أي لئلا] حد يحرف ولا حد يزيد فيه ولا ينقص منه. طيب، آه، في أيدي الناس ولم يستطع أحد أن يفعل به شيئًا، ولا حرفًا ولا كلمة ولا أي شيء.

حفظ القرآن من التحريف معجزة إلهية وإذاعة القرآن الكريم شاهدة على ذلك

إذا كان من طبيعة الناس أن يغيروا كتبهم فتكون هذه معجزة [إلهية]، وإلا فلماذا لم يغيره الناس؟ كل واحد لا يعجبه شيئًا يزيله من مصحفه، وكان سيصبح لدينا تسعمائة ألف مصحف! لا، بل هو مصحف واحد هنا باللغة العربية يُذاع.

أنشؤوا شيئًا يسمى إذاعة القرآن الكريم، إذاعة القرآن الكريم هذه ماذا تفعل؟ طوال النهار لمدة أربع وعشرين ساعة، لمدة سبعة أيام في الأسبوع، ثلاث مائة وخمسة وستون يومًا في السنة، تذيع القرآن على مسامع الناس.

وهناك أناس اعتادوا أن يقرؤوا الختمة، أي يستمعوا إلى الختمة من الإذاعة ويمضون هكذا يقولون: نعم ختمنا. إذن ها هو يختمه في أسبوع مرتين؛ لأن الناس أحيانا هكذا وأحيانا هكذا.

التأويل الباطل للكتاب وضابط التأويل الصحيح هو سنة رسول الله

والله يكون إذا كنا سنعرف أن نكتم الكتاب لا نعرف [كيف نكتمه]، ماذا نعرف؟ نعرف نأوّل الكتاب، نعرف نأوّل الكتاب.

وقلنا: طيب، وهذا التأويل باطل. قالوا: لا، منه صحيح ومنه قبيح. الصحيح صحيح والقبيح قبيح. من الضابط لهذا؟ سنة سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم]:

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

إذن فسنة سيدنا رسول الله من الذكر وهي محفوظة:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

ولم يقل [الله تعالى] "القرآن" بل قال "الذكر"، والذي يحيد عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون حائدًا [عن الحق].

هل الانحراف عن السنة كتمان أم تأويل وحفظ الأمة من كتمان الكتاب

فهل هذا [الحيد عن السنة] كتمان أم هو نوع من أنواع التأويل والانحراف وليس نوعًا من أنواع الكتمان؟

يبقى هذه الأمة محفوظة من أن تكتم شيئًا من كتابها بالمعنى الفني للكتمان. لا تعرف هذه الأمة كيف تكتم شيئًا من الكتاب؛ فالكتاب موجود ولا يستطيع أحد أن يكتم فيه شيئًا.

وفي يد كل واحد مصحف، وفي بيت كل واحد من خمسة إلى ستة مصاحف، هذا إن لم يكن أكثر بالعشرين والثلاثين والأربعين. لا يستطيع أحد أن يكتم شيئًا من شيء، والحمد لله رب العالمين.

كتمان الكتاب وسيلة للتحكم في الناس واشتراء الثمن القليل وعقوبته

مصيبة أخرى: إذن هذا الكتمان [عند الأمم السابقة كان] من أجل أن يصنع طائفة تتحكم في الناس:

﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 174]

يقول له: حسنًا انتظر حتى أدخل الكتاب الذي هو السري، وبعد ذلك يقول له: آه، هذا الكتاب يقول يمينًا، [والحقيقة أن] الكتاب يقول شمالًا. كله كذب!

﴿أُولَـٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ﴾ [البقرة: 174]

هذا في الدنيا، يبقى ما فيش بركة [في مالهم].

﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [البقرة: 174]

لأنهم كانوا حجابًا بين الله وخلقه.

﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 174]

لأنهم كانوا يريدون الدنس لا المقدس.

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174]

لأنهم كانوا يفسدون في الأرض. نعوذ بالله من أولئك، ونرجو من الله التوفيق، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة وبركاته.