سورة البقرة | حـ 217 | آية 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 217 | آية 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص فهم الآية القرآنية "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" من خلال قصة عدي بن حاتم الذي فهمها على الحقيقة.
  • أوضح النبي صلى الله عليه وسلم لعدي أن المراد بالخيطين هو بياض النهار وسواد الليل، وليس خيطين حقيقيين.
  • يبين النص وجود المجاز في القرآن واللغة العربية، وأن النبي أقر المجاز واستخدمه في قوله لعدي "إنك لعريض القفا".
  • يستشهد بآية "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى" كمثال للمجاز، فالمقصود عمى البصيرة وليس فقد البصر.
  • يوضح أن بداية الصيام من الفجر ونهايته غروب الشمس، مع سنة تعجيل الإفطار.
  • يبين أن الله أمر بالذكر والدعاء والأكل والشرب والاعتكاف، وأن هذه حدود الله التي يجب عدم تعديها.
  • يؤكد أن التقوى تكون بالوقوف عند حدود الله دون زيادة أو نقصان.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الصيام من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]

وكان بعض الصحابة يظنون أن الخيط الأسود والخيط الأبيض حقيقة لا مجاز، فجاء عدي بن حاتم رضي الله عنه ووضع عقالًا أسود وعقالًا أبيض بالليل، ثم بعد ذلك ينظر إليهما فلا يتبين له شيء؛ لأن الحجرة مظلمة، وليس هو المقصود [بالآية].

توضيح المقصود بالخيط الأبيض والأسود وهو ضوء الأفق لا الخيوط الحقيقية

وإنما المقصود [بالخيط الأبيض والأسود] هو الأفق وما يحدث فيه من أنوار وأضواء السماء كثيرة، والحالة في الغرفة المظلمة حتى يرى الإنسان العقال الأسود من العقال الأبيض قد لا تتيسر إلا في الظهر [أي وقت الظهيرة].

فذهب [عدي بن حاتم] إلى النبي ﷺ، فأراد النبي ﷺ أن يلفته إلى قضية الحقيقة والمجاز، وأن القرآن يتكلم بالمجاز كما يتكلم بالحقيقة، وأن المجاز يحتاج إلى علاقة وقرينة؛ فما دام قد قامت العلاقة والقرينة في كلام العرب، فَهِمَ العربُ المجازَ كما يفهمون الحقيقة.

المجاز في لغات البشر وتعليم الله لآدم الأسماء واستعمال الكلام

وهذا الشأن يوجد في لغات البشر التي علّمها الله لهم، كما علّم آدم الأسماء كلها، وعلّمهم استعمال الكلام فيما قد وُضع له، واستعمال الكلام في غير ما وُضع له لعلاقة وقرينة [وهو المجاز].

أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يلفت نظر عدي [بن حاتم] إلى هذا [المعنى]، فقال له:

قال النبي ﷺ: «إذن إنك لعريض الوساد»

وفي رواية: «لعريض القفا»، يعني إذا كان الأفق كله هكذا هو منامك، وهو [أنك جعلت] العقالين — الخيط الأبيض والخيط الأسود — بدلًا من السماء يكونان على وسادتك.

تصوير النبي لعظم وسادة عدي بن حاتم لو حمل الآية على الحقيقة

فيا لك وأنت تنام على وسادة ما بين الشمال إلى الجنوب! وأنا عندما أنظر إلى الشرق هكذا أتخيل أن هناك وسادة سدّت الأفق، وهذه الوسادة نائم عليها عدي [بن حاتم]، وتحت الوسادة عقالين: خيط أبيض وخيط أسود لكي يراهم جيدًا.

هذه الوسادة الكبيرة جدًا، يبقى الواحد حجم قفاه قدّ إيه وهكذا! انظروا لقد ضحكتم الآن.

حسنًا، لماذا ضحكتم؟ ضحكتم لأنكم قد أدركتم المفارقة بين فهم الحقيقة من المجاز.

مثال على المفارقة بين الحقيقة والمجاز في وصف الأسد المقاتل

يعني لو أن أحدًا قال لي مجازًا وفهمتُ منه على أنه حقيقة فتصبح مسألة مضحكة. فعندما أقول مثلًا: «رأيت أسدًا يقاتل في سبيل الله بسيفه»، فواحد ظنّ أن الأسد الذي في حديقة الحيوانات يمسك سيفًا ويقاتل في سبيل الله — مسألة مضحكة!

وهذا ردٌّ على من أنكر المجاز في القرآن؛ أن النبي ﷺ أقرّه [أي أقرّ المجاز]، بل وكلّمه بالمجاز وقال له: «إذن فأنت عريض القفا»، وهذا أيضًا مجاز.

معنى عريض القفا مجازًا وبيان العمى في الآخرة بمعنى عمى البصيرة

إذا كانت المسألة هكذا، عريض القفا يعني ماذا؟ عريض القفا يعني غير فاهم تمامًا في اللغة، ولكن مجازًا وليس عريض القفا اتساعًا من هنا ومن هنا، فما هذا بمعقول.

﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾ [الإسراء: 72]

ليس معناها أن الأعمى هنا هو الضرير، الذي يقول في شأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «من فُقِد حبيبتيه — عينيه — فصبر، كنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين»

يا لها من بشارة!

الإسلام يعطي بشارة للضرير والعمى في الآية يعني عمى البصيرة لا البصر

الإسلام هذا يعني شيئًا آخر، شيئًا جميلًا جدًا، أمرٌ يقف الإنسان عنده وهو مذهول.

فكيف يكون أعمى في الآخرة؟ لا، هذا أعمى البصيرة الذي في الدنيا، الذي ضلّ عن سبيل الله يكون أعمى في الآخرة. إذن يعلّمنا الله سبحانه وتعالى المجاز [في القرآن الكريم].

إتمام الصيام إلى الليل وبيان وقت بداية النهار والليل شرعًا

﴿ثُمَّ أَتِمُّوا ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]

والليل هو بغروب الشمس؛ فبمجرد أن تغرب الشمس يتمّ الليل، فيكون النهار بدايته الفجر، والليل بدايته الغروب، وهذا عند أهل السنة والجماعة.

والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نسارع بالإفطار وأن لا نؤخر هذا الإفطار؛ فبمجرد أن نسمع الأذان، وإذا كان في لفظة التكبير «الله أكبر» حلّ لنا الإفطار.

سنة الإفطار على التمر أو الماء أو الطعام أو بالنية عند عدم وجود شيء

فنُفطر على ما كان يُفطر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمر، فإن لم نجد فمن ماء، فإن لم نجد فبطعام، فإن لم نجد حتى الطعام ننوي الإفطار ونقطع حتى بالنية الصيام.

﴿وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ﴾ [البقرة: 187]

فأشار [الله تعالى] إلى الاعتكاف الذي يكون في المساجد. إذن أمرنا [الله في آيات الصيام] بالذكر:

﴿وَلِتُكَبِّرُوا ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ﴾ [البقرة: 185]

وأمرنا بالدعاء:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى﴾ [البقرة: 186]

وأمرنا بالأكل والشرب، وأمرنا بالاعتكاف أيضًا على سبيل السنة.

حدود الله لا تُقرب وطريق التقوى بالوقوف عند ما حده الله تعالى

كلها تلك حدود الله فلا تقربوها. كذلك هذا مبدأ عام: حدود الله لا تقربوها.

﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]

يبقى نأخذ منه المبدأ: حدود الله لا تُقارَب؛ فإذا سرنا على هذا نجحنا.

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187]

هذا هو طريق التقوى: أن نقف عند ما حدّه الله فلا نتعداه، لا بالزيادة ولا بالنقصان، وهذه هي التقوى.

خاتمة الدرس والدعاء بالمغفرة والتوفيق والسلام

وإلى لقاء آخر، ندعو الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.