سورة البقرة | حـ 229 | آية 200 : 201 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح الله في سورة البقرة بعض أحكام الحج، وتكتمل تفاصيل المناسك من خلال سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: "خذوا عني مناسككم".
- •الرسول صلى الله عليه وسلم هو "إنسان عين الحضرة القدسية" أي الإمام الذي نقتدي به، وهو الأسوة الحسنة لمن يرجو الله واليوم الآخر.
- •الإطار العام للعبادة هو ذكر الله، كما قال تعالى: "فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله".
- •إذا خرج الله من القلب حل محله الشيطان، وهذا ينطبق على الفرد والمجتمعات والأمم.
- •يجب على المرء أن يسأل نفسه: هل الله حاضر في حياته وتفكيره ومنهجه؟
- •أمرنا الله بذكره "كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً"، فذكر الأب جزء من هويتنا، وذكر الله ينبغي أن يكون أشد.
- •من الناس من يطلب الدنيا فقط، ومنهم من يطلب حسنة الدنيا والآخرة.
مقدمة في تفسير آيات أحكام الحج من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يشرح لنا بعض أحكام الحج:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200]
المنسك هو العبادة المتعلقة بالحج؛ ذهبنا وطفنا وأدينا العمرة وتحللنا، أو قرنّا أو كذلك إلى آخره، وبعد ذلك ذهبنا إلى عرفات وأفضنا من عرفات ونزلنا إلى مزدلفة، وبعد ذلك نزلنا ورمينا الجمرة. هذه كلها مناسك.
القرآن لم يفصل كل أحكام الحج والسنة النبوية مصدر التفصيل
طيب، ما جاء بها هنا [في الآية] الجمرة؟ أجل، ما هو [القرآن] لم يفصّل أحكام الحج تفصيلًا كالصيام، وإنما فصّل بعض أحكام الحج وليس كل أحكام الحج.
طيب إذن الباقي نعرفه من أين؟ الباقي نعرفه من قال صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»
وفي الحج قال:
قال النبي ﷺ: «خذوا عني مناسككم»
ننظر ماذا يفعل [النبي ﷺ] وكيف نفعل [مثله]؛ لأنه هو إنسان عين الحضرة القدسية صلى الله عليه وسلم.
معنى إنسان عين الحضرة القدسية والاقتداء بالنبي ﷺ
ما هو إنسان العين هذا؟ هذا هو البؤبؤ الذي تُبصر به.
وماذا يعني إنسان عين الحضرة القدسية؟ يعني الإمام [الذي يُقتدى به]؛ عندما نكون في الحضرة القدسية الإلهية ونريد أن نطيع الله، فلننظر إليه صلى الله عليه وسلم ونعمل مثله. فإن افترضنا أننا لم نره [ﷺ ولم نتبع سنته] فسنضطرب وسنضطرب.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
الإطار العام للعبادة بعد قضاء المناسك هو ذكر الله تعالى
حسنًا، قضينا مناسكنا، ما الإطار العام للعبادة؟ هو الذكر، قلناها عدة مرات.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 200]
إذن ماذا كنا نفعل؟ كنا نذكر الله، هو ذكرٌ في ذكرٍ في ذكر، هكذا هو، نعم.
هذه قضية الدنيا والله، هل يوجد أجمل من هذا؟ هي القضية الخاصة بالدنيا هذه: من غير الله لا تساوي شيئًا. لو سحبنا قضية الله من حياة الإنسان فلن تخلو [من شيء]، وإنما ماذا يأتي بعدها؟ الشيطان.
إذا خرج الله من القلب حلّ الشيطان مكانه في حياة الإنسان
﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268]
إذا خرج الله من القلب يبقى فيه الشيطان.
﴿يَـٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ﴾ [مريم: 44]
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]
إما الله وإما الشيطان، ولذلك هذا الكلام ليس فقط قاصرًا على الفرد، بل على الجماعات وعلى الأمم وعلى الدول وعلى المناهج وعلى الأفكار.
سؤال الإنسان لنفسه هل الله حاضر في حياته ومنهجه
فاسأل أيها الإنسان نفسك: هل هناك الله في عقلك؟ في عقلك وروحك ونفسك وحياتك ومنهجك وتفكيرك، تحسب له حسابًا، أم لم تذكره قط وليس الله موجودًا في منظومتك؟ وأنت تخطط وتنفذ أشياء ولكن كلها ليس فيها الله.
هذا، اسأل نفسك، اسأل نفسك على مستوى المجتمع البشري وعلى مستوى الإنسان الفرد: أين الله في حياتك؟
فإن كان هناك الله في حياتك فمهما أخطأت فخطؤك له أجر، وخطيئتك إذا استغفرت الله يغفر لك، وفعلك الخير يعطيك عليه عشر حسنات. وإذا لم يكن [الله] في [حياتك] خلاص، فأنت مضطرب.
من لم يكن مع الله كان مع الشيطان ونسيان الله يورث نسيان النفس
وعلى فكرة، لن تكون وحدك؛ سيكون معك الشيطان. اقرأ القرآن كله ستجده ينهاك عن عبادة الشيطان. هو الشيطان يُعبد؟ نعم!
﴿نَسُوا ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]
﴿فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]
معنى ذكر الله كذكر الآباء أو أشد ذكرًا في آية سورة البقرة
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]
ما هذا ذكر آبائنا؟ هذا، هل يوجد أحد ينسى ما اسمه؟ عندما يُسأل المرء عن اسمك فيقول: فلان بن فلان، فقد أصبح ابن فلان جزءًا منك.
كما قال تعالى:
﴿فَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]
لأن أباك أصبح جزءًا منك لا تستطيع التخلص منه.
معنى أشد ذكرًا وأن يكون الله حاضرًا في كل كينونة الإنسان
أو أشد ذكرًا، أشد حتى من أبيك وأشد ذكرًا. لماذا؟ لأنه يقول لك: حتى وكينونتك فلا تَغِبْ عن الله. هذه أشد ذكرى.
أنت وأنت تذكر ربنا كما أنت تذكر أباك يبقى ذاكرًا وهو يمشي، لكن في درجة أكثر من ذلك: أنك أصلًا لست تذكر نفسك؛ لأنك أنت كل شيء تعمله دخل في دائرة الله ابتداءً وانتهاءً.
صنف من الناس يدعو الله للدنيا فقط وليس له في الآخرة نصيب
فمن الناس من يقول: ربنا، يدعو ربنا. هو فانتبه، هذا ليس كافرًا! انتبه، هذا لتوّه قادمٌ من عرفات وذكر الله كما أمره عند المشعر الحرام، ثم بعد ذلك قضى منسكه ورمى وذبح وحلق وعمل وسوّى وكل الأشياء. انتبه، هذا نحن مع مسلمين هم طيبون، هم:
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 200]
ربنا، يعني مؤمن بالله، لكنه لا يريد أن يخرج من إطار الدنيا والدنيا فقط.
الفرق بين الحالة الردية المنحصرة في الدنيا والحالة المرضية الشاملة
هذا هو الخط الرفيع بين الحالة الردية والحالة المرضية.
الحالة الردية هي الانحصار في الدنيا لا يرى سواها.
حسنًا، والحالة المرضية أن الدنيا جزء من الماضي [الذي كنا فيه قبل الدنيا] ومن المستقبل [الآخرة] وإليه نرجع. هذا الماضي وهذا المستقبل، والدنيا حاضرة تحت أمر الله وتكليفه؛ فنعبده ونعمر الأرض ونزكي النفس.
أما الثاني [صاحب الحالة الردية] يريد ماذا؟ قال لك: الدنيا فقط، ما يوجد غير الدنيا فقط.
دعاء المؤمنين الكامل ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة والختام
﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
