سورة البقرة | حـ 243 | آية 219 | تفسير القرآن الكريم  أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 243 | آية 219 | تفسير القرآن الكريم أ د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص الفرق بين العلم الديني والتدين العملي، فالعلم يتطلب دراسة متعمقة للأحكام الشرعية بينما التدين هو الممارسة اليومية للدين.
  • يحذر من الوسوسة والتشدد في المسائل الدينية كالوضوء، حيث ينبغي الاكتفاء بالأصول البسيطة دون الدخول في متاهات التفاصيل.
  • يؤكد على وضوح حكم الخمر والميسر في الإسلام، فهما محرمان قطعاً، لكن ارتكاب المعصية لا يخرج المسلم من الإسلام.
  • يستشهد بقصة الصحابي نعيمان الذي كان يقع في شرب الخمر مراراً ويتوب، وشهد له النبي بأنه يحب الله ورسوله.
  • يوضح الفرق بين الحكم الشرعي وتنفيذه، وبين المذهب وما يلزم المذهب.
  • ينبه إلى ضرورة الفهم الصحيح للدين والتعامل معه بواقعية دون إفراط أو تفريط.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وبداية تفسير آية سؤال الصحابة عن الخمر والميسر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

الميسر الذي هو القمار، وهذا سؤال من ربما ثلاثة عشر سؤالًا سأل فيها الصحابة سيدنا رسول الله، ولم يكونوا يحبون الأسئلة الكثيرة؛ كلما تسأل كلما يُشدد عليك.

التحذير من كثرة الأسئلة والاكتفاء بأصول العبادات كالوضوء

ولماذا [كانوا يكرهون كثرة الأسئلة]؟ ألم يجعل الله الطريق واسعًا لتسير فيه؟ اسأل عن أصول الأشياء.

كيف تتوضأ؟ أقول لك: اغسل وجهك ويديك إلى المرفقين، وامسح رأسك، ثم اغسل رجليك إلى الكعبين، والكعبان هما العظمان البارزان في نهاية الساق، فقط. خلاص، لا تفتش الآن، ستنتقل من هذا [الأصل البسيط] وتفتش، سندخل في تفاصيل موجودة [في كتب الفقه].

التحذير من التعمق في الأسئلة الفرعية التي تؤدي إلى الوسوسة

حسنًا، وأين هذا الوجه إذن؟ من أين [حدود] الوجه؟ سؤال وجيه أيضًا وموجود له إجابة. أقول له: حسنًا، الوجه من هنا [منابت الشعر] إلى هنا [أسفل الذقن] ومن هنا [الأذن اليمنى] إلى هنا [الأذن اليسرى].

فيقول لي: هل هذا الجزء داخل فيه [في حدود الوجه] أم ليس داخلًا؟ أيضًا موجودة الإجابة عليه، لكنك الآن تُدخل نفسك في متاهات وأسئلة سيترتب عليها أسئلة أخرى، وهذا ما نعيش فيه طوال النهار والليل، نسأل فيما بعد الأصل.

هذا الأصل خفيف جدًا: اغسل وجهك، اغسل يديك إلى المرفقين، والمرفقين هأهم.

خطورة المبالغة في التفاصيل الفقهية والوقوع في الوسواس

يقول لي: حسنًا، يعني لو أخذت قليلًا فوق المرفقين، هل يصلح أيضًا؟ أقول له: نعم، ينفع. يعني أفضل أم ليس أفضل؟ لا، أفضل، الله [يبارك فيك].

حسنًا، ولو جعلتها إلى الإبط هكذا، فسيكون أفضل وأفضل؟ وسندخل في وسواس، وسنتحول من الأصل [البسيط] وندخل في الوسواس. اجعلها سهلة هكذا، اجعلها سهلة، الله يكرمك.

الفرق بين العلم بالدين والتدين والعمل بالأحكام الشرعية

يقول له: أنت لا تريدني أن أتعلم يا سيدي؟ العلم هذه قضية ثانية. نذهب إلى الأزهر ونمسك الكتاب الذي هو المتن، ونقول والحاشية التي على المتن من أين، وأيها، وابتداء الوجه من أين وانتهاء، عرفنا كل شيء. لكن هذا زيادة قليلًا.

يقول لي: يعني الأزهر مخطئ؟ لا، الأزهر ليس مخطئًا؛ لأن هذا هو العلم. حسنًا، إذن أنا في ماذا؟ في العمل. هذا في الدين علم الدين، لكن ما هذا؟ هذا التدين.

انظر إلى الفرق، الفرق بين العلم والفرق بين السلوك، الفرق بين العلم والعمل، يعني الفرق بين الدين والتدين. الدين هذا علم مثل أي علم، يجب أن أدرسه جيدًا جدًا وأبحث فيه وأعمل فيه كل شيء.

وجوب التفقه في الدين لطائفة مخصوصة وإعفاؤهم من الجهاد

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]

يعني إذن هؤلاء طائفة مخصوصة، حتى أنهم أعطوهم إعفاءً من التجنيد [أي من الجهاد]، أتفهم؟ أعطوهم إعفاءً من التجنيد لكي يجلسوا ويدرسوا، حتى عندما يرجع المجاهدون في سبيل الله من الجهاد يتعلّموا.

إذن المجاهدون هكذا كانوا يفعلون ماذا؟ كانوا يعملون عملًا [بما تعلموه]، فشهوة المعرفة أحيانًا تسيطر على الإنسان ويجلس يسأل فيما لا يعنيه.

حرمة الخمر القاطعة وحال المسلم العاصي الذي يعرف الحكم الشرعي

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

جيد، ويعلمنا الإجابة: الخمر هذه لا نقاش في أنها حرام، حتى المسلم الذي يشرب الخمر يشربها وهو يعلم أنها حرام.

وبعد أن يشربها يأتي ليبكي، أو يأتي مثلًا يوم الجمعة يحضر الخطبة ويسمع الشيخ وهو يقول له إن هذا الخمر حرامٌ، أن يقول: خلاص تبنا إلى الله، يوم السبت يشربها مرة ثانية. إنما هو يعرف أنها حرام.

الفرق بين الحكم الشرعي وتنفيذه وعدم تكفير مرتكب المعصية

إذن، هناك فرق بين الحكم الشرعي وبين تنفيذه. الحكم الشرعي: الخمر حرامٌ، حرامٌ، القمار حرامٌ، يعني حرامٌ، ليس فيها كلام.

ماذا ينتج عن هذا؟ ينتج أن الإنسان إذا وقع فيها وجب عليه التوبة، وجب عليه الرجوع.

هل يكفر الإنسان بفعل المعصية؟ لا، لا يكفر بفعل المعصية.

قصة نعيمان رضي الله عنه وشربه الخمر وشهادة النبي له بحب الله

وكان نعيمان رضي الله تعالى عنه يقع كثيرًا في شرب الخمر، رضي الله تعالى عنه، نعم؛ لأنه كان يحب الله ورسوله، وقع ضعيفًا، فكان يأتي رسول الله بالنار [أي بالندم الشديد] يقول: يا رسول الله! ويبكي.

وكان نعيمان يحب المزاح كثيرًا، وكان دائمًا يعمل مقالب في الصحابة وفي سيدنا رسول الله، وكان سيدنا رسول الله يضحك. ويأتيه نعيمان قائلًا: يا رسول الله، أنا ارتكبت هذه المعصية، فأقم عليّ الحد.

صفة حد الخمر في عهد النبي وموقف عمر من نعيمان وشهادة النبي له

وكان حد الخمر أن يُؤتى بجريدة النخل فيُضرب بها ضربتين أو ثلاثًا، هكذا، أربعين مرة. الجلدة هكذا جلدة ليست بالكرباج، بل بنعله [جريدة] البلح، تؤلم أيضًا لكنها لا تؤثر في الجسم ولا تجرحه.

تكررت هذه الحكاية، فسيدنا عمر [بن الخطاب] كان شديدًا في دينه، قويًا، وكان طوله ثلاثة أمتار. قال سيدنا عمر: دعني أقتل هذا المنافق يا رسول الله.

فقال له [رسول الله ﷺ]:

«إنه يحب الله ورسوله»

انظر، انظر الحب! انظر الحب! سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [قال]: إنه يحب الله ورسوله.

التعامل الصحيح مع الدين وعدم تكفير شارب الخمر التائب

نعيمان هذا كان يشرب الخمر كثيرًا، وكان يتوب ويرجع مرة أخرى. إذن نحن نتعامل مع الدين بطريقة غريبة بعض الشيء.

أليس إذا شرب الخمر ولا يستطيع التحكم بنفسه يصبح كافرًا؟ من الذي قال لك هذا؟ هو شخص سيدخل الجنة! من الذي قال لك أن شخصًا شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يحب الله ورسوله؟ من الذي قال لك ذلك [أنه كافر]؟

الفرق بين حرمة الخمر وبين الافتئات على إيمان الناس والخاتمة

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

انتبه! هناك فرق بين المذهب وما يلزم المذهب. نعم، الخمر موجودة وموجودة في مجتمعنا، تجدها هنا وهناك.

ثم يأتي شاب ويقول: لكن أنا أريد أن أذهب لأكسرها. وأقول له: لا، هناك فرق بين أنها حرام، وهناك فرق بين أن تفتات على الإيمان [أي تحكم على إيمان الناس]، وهذا يحتاج إلى تفصيل حتى يعود الناس مرة أخرى إلى عقولهم ويفهموا دينهم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.