سورة البقرة | حـ 253 | آية 224 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •يشرح النص معنى قوله تعالى: "ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس".
- •لا ينبغي التذرع باليمين كعائق عن فعل الخير، فمن حلف على ترك معروف ثم ظهر له أن فعله أفضل، فليكفر عن يمينه وليفعل الأفضل.
- •حقوق العباد لا تتقادم ولا تسقط إلا بإذن أصحابها، بينما حقوق الله تسقط بالتوبة والعفو والأعمال الصالحة.
- •الإقرار أمام القاضي في حقوق العباد لا رجعة فيه، أما في حقوق الله ففيه الرجعة.
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقسم على شيء ثم ظهر له ما هو أبر منه فعله وكفر عن يمينه.
- •كفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام.
- •لا يلجأ للصيام إلا عند عدم القدرة على الإطعام أو الكسوة لفقر أو لعدم وجود فقراء.
- •لا ينبغي جعل الله عقبة في طريق البر والتقوى والإصلاح بين الناس.
مقدمة تفسير آية النهي عن جعل الله عرضة للأيمان في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُنشئ عنصرًا مهمًّا في التعامل بين العبد وربه:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 224]
إذن، لا يتحجَّج أحدٌ فيما يتعلق بربنا بأن هذا العبد لا يفعل الخير؛ فإذا ما سألناه: ما الذي منعك عن فعل الخير؟ يقول: والله أنا حلفتُ بالله ألّا أفعل، وتعظيمًا لشأن الله لا أفعل.
الفرق بين حقوق العباد وحقوق الله في السقوط والتقادم
ولذلك ولهذه الآية [آية النهي عن جعل الله عرضة للأيمان]، فإن حقوق العباد لا تتقادم ولا يُعفى عنها إلا بإذن صاحبها ولا تسقط.
وحقوق الله تسقط بالتوبة، بالعفو، وبالأعمال الصالحة التي يُبدِّل الله فيها السيئات حسنات، ويمحو الله السيئات بالحسنات.
حكم الرجوع في الإقرار أمام القاضي بين حقوق العباد وحقوق الله
الإقرار أمام القاضي في حقوق العباد لا رجعة فيه، أما في حقوق الله ففيه الرجعة، بالرغم من أن الإنسان يتصور العكس؛ لعظمة الله ولعظمة شأنه وجلاله سبحانه وتعالى، فإنه يظن أنه [حق الله] يكون مُقدَّمًا وأنه لا رجعة في حقوقه ولا تسامح ولا تهاون.
ولكن الأمر ليس كذلك؛ عدم العفو متعلق بحقوق العباد، والعفو بحقوق الله سبحانه وتعالى.
مثال على عدم جواز الرجوع في الإقرار بالمديونية في حقوق العباد
فلو جئتَ أمام القاضي واعترفتَ بأنني مدينٌ لك بألف، وفي الجلسة الثانية قلتَ: لا، أنا تذكرتُ أنني مدينٌ بخمسمائة فقط، لا يقبل القاضي مني هذا، واعترافي وإقراري بالمديونية لا يمكن الرجوع فيه إلا إذا عفا الدائن؛ فهذه قضية أخرى.
فلا يجوز الرجوع في الإقرار إذا تعلق بحقوق الناس، بحقوق العباد.
جواز الرجوع في الإقرار بالحدود المتعلقة بحقوق الله تعالى
فإذا جئتَ واعترفتَ بشيء من الحدود، بشيء من الذنوب التي توجب الحدود، ثم بعد ذلك أنكرتَ وقلتَ: لا، إنني كنتُ في حالة نفسية سيئة وقلتُ هذا الكلام، فإن القاضي يقول لي: اخرج، ويقبل مني العودة [أي الرجوع عن الإقرار] فيما تعلق بحقوق الله.
لأن الله عفوٌّ غفور، ولأنه عندما وضع الحدود وضعها درءًا للفساد وليس انتقامًا من المذنب، ولأن الله سبحانه وتعالى واسع.
النهي عن الحلف على ترك الخير كهجر الناس والخصام بينهم
وكذلك هنا [في سياق الآية]، فأنا حلفتُ ألّا أُكلِّم فلانًا، وعدم كلام فلان يعني فيه خصامٌ ونزاع، يعني فيه بيني وبينه مشاحنة. والله لا يرضى بالمشاحنة، بل يرضى بصلة الأرحام إن كان بيني وبينه رحم، وبحسن الجوار إذا كان بيني وبينه جوار.
وبأن التبسم في وجه أخيك صدقة، وبأنه خيرهما الذي يبدأ بالسلام. إذا كان هناك خصومة بين اثنين فإن الشرع قد أمرنا بالمصالحة وبحسن الخلق وبحسن المعاشرة وبحسن الجوار إلى آخره.
حكم اليمين التي حلفها المسلم وكيفية التكفير عنها والعودة للخير
حسنًا، واليمين التي أنا أقسمتُها هذه، ماذا أفعل بها؟ لا تتحجَّج به [باليمين]، اذهب فكفِّر عنه، كفِّر عن يمينك هذه وارجع مباشرة إلى فعل الخير.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُعلِّمنا القرآن وكان يُنفِّذه عمليًّا حتى نتعلم منه؛ فكان إذا أقسم على شيء ثم ظهر له شيءٌ أبرُّ منه، فعل الذي أبرّ وكفَّر عن يمينه.
تفصيل كفارة اليمين من الإطعام والكسوة والعتق والصيام
والكفارة عن اليمين: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. وكان قديمًا يوجد عبيد، والشرع يسعى لعتق العبيد والحرية، فقال لك: أو عتق رقبة.
فإن لم يوجد عتق رقبة وليس معي ما أُطعم به عشرة أو أكسوهم أيضًا، قال: إذن صوم ثلاثة أيام؛ هذه كفارة اليمين.
بعض الناس يقول: نذهب لنصوم ثلاثة أيام متتالية. لا، بل أنت تصوم ثلاثة أيام إذا فقدتَ الإطعام. وفقدان الإطعام أو فقدان الكسوة يحدث بأمرين:
- إما أنه ليس معك مالٌ تُنفقه.
- وإما أنك لا تجد فقراء تُطعمهم.
وهذا واردٌ أيضًا في المجتمعات الغنية ألّا تجد الفقير الذي تُطعمه؛ فجميع الناس شِباع. هذا نادرٌ ولكن موجود، أن لا تجد في مدينتك الفقير الذي تُطعمه أو تكسوه؛ جميع الناس مستغنون.
خلاصة قاعدة التعامل بين العبد وربه وعدم التحجج باليمين عن فعل الخير
إذن فهذه قاعدة في التعامل بين العبد وبين ربه:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: 224]
يعني لا تجعلوا ربنا عقبةً في طريقكم للبرّ، وتتقوا وتُصلحوا بين الناس؛ ثلاثة أشياء هذه.
﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 224]
فلا يُضيع أجر من أحسن عملًا. وإلى لقاءٍ آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
