سورة البقرة | حـ 279 | آية 234 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذه الفترة مقررة لاستبراء الرحم أو تحسراً على الزوج أو تعبداً لله.
- •تُحسب العدة من يوم وفاة الزوج، بغض النظر عن كون الشهر كاملاً أو ناقصاً، فكل شهر يعتبر شهراً.
- •الأيام العشرة تُحسب بعد انقضاء الأشهر الأربعة، وتنتهي العدة بمغرب اليوم العاشر.
- •بعد انتهاء العدة يحق للمرأة الزواج فوراً، ولا ينبغي منعها بحجة أن زوجها توفي حديثاً.
- •لا يوجد عدة للرجل المتوفى عنه زوجته، فيجوز له الزواج مباشرة بعد وفاتها.
- •الرجل يلزمه التربص فقط في حالة خاصة: إذا طلق زوجته وأراد الزواج بأختها أو عمتها أو خالتها، فيجب عليه انتظار انتهاء عدة مطلقته.
- •التربص للرجل لا يسمى عدة لأن العدة مصطلح خاص بالنساء.
افتتاح الدرس بالبسملة والدعاء والصلاة على النبي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا للإسلام، وافتح علينا فتوح العارفين بك، وفهّمنا مرادك من كتابك يا أرحم الراحمين، واجعله لنا هدى واجعلنا من المتقين. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين.
تفسير آية عدة المتوفى عنها زوجها وحكمة الأشهر الأربعة والعشرة أيام
قال تعالى في سورة البقرة:
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]
يعني بعد وفاة أزواجهن، بعد أربعة أشهر وعشرة أيام. في هذه الفترة لا يجوز للمرأة أن تتزوج بعد زوجها، وذلك استبراءً لرحمها، أو تحسّرًا على الزوج، أو تعبّدًا لله [سبحانه وتعالى].
ولذلك لن نستطيع أن نفرّق بين هذه الثلاثة. يقول لي [أحدهم]: طيب، ما هي [الحكمة إذا كانت] امرأة كبيرة؟ أقول له: يبقى تعبّدًا لله. وإذا كانت امرأة صغيرة، يبقى استبراءً للرحم.
طيب، ما [دام] استبراء الرحم يتم بشهر واحد؟ أقول له: الباقي تعبّدًا لله. وهكذا كلما يقول لي سأجيبه بواحدة من هذه الثلاث: التحسّر على الزوج، واستبراء الرحم، والتعبّد لله.
مساحة العبادة لله لا مجال فيها للجدال والاجتهاد بالرأي
لمّا أجيء إلى هنا [إلى حكمة التعبّد لله]، إذن في التعبّد لله كأنني سددتُ عليك الطريق؛ أنا أعرف أن أتكلم بعد ذلك في أي شيء. هذا أمر من أمور الله [سبحانه وتعالى].
إذا لم يكن له مفهوم معقول، يعني نجلس نتجادل فيه ونقول: وأنت لك رأي وأنا لي رأي ونحن الاثنان لنا رأي، لا يصحّ. في مساحة اسمها العبادة لله هو كذلك: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.
كيفية حساب عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام
طيب، أربعة أشهر وعشرة أيام تقضيها المرأة [المتوفى عنها زوجها]، قضيتها وعرفنا كيف نحسبها. كيف؟ نعدّ من يوم الوفاة إلى يوم الوفاة من الشهر الذي بعده.
طيب، افترض أن الشهر ناقص؟ قال لي: لا شأن لي بناقص ولا شأن لي بكامل؛ إن كان ناقصًا فناقص، وإن كان كاملًا فكامل.
[مثال ذلك:] ثلاثة عشر رجب، تقول: من ثلاثة عشر إلى ثلاثة عشر شعبان، إلى ثلاثة عشر رمضان، إلى ثلاثة عشر شوال، إلى ثلاثة عشر ذي القعدة. حسنًا، افترض أن رمضان ناقص بتسعة وعشرين يومًا، فهو شهر. حسنًا، افترض أن شعبان كامل ثلاثين يومًا، فهو شهر. ليس له علاقة بشهر كامل أو ناقص؛ نعدّ الشهور عددًا فقط.
طريقة حساب العشرة أيام الأخيرة من عدة الوفاة وانتهاء العدة
والأيام العشرة الأخيرة احسب من يوم الثالث عشر؛ لأن يوم الثالث عشر هذا هو بداية العشرة، فتقول: الثالث عشر وتعدّ حتى تجد نفسك في الثاني والعشرين.
إذن المغرب [الذي تنتهي به العدة]: انتهى يوم الثاني والعشرين، هو يوم الثاني والعشرين. هذا يبدأ متى؟ يبدأ من مغرب يوم الواحد والعشرين، يبدأ من مغرب يوم واحد وعشرون.
ولذلك نحن عندما نرى الرؤية [رؤية هلال رمضان] ونقول غدًا رمضان، تكون هذه ليلة من ليالي رمضان. ووُجد الشيخ في المسجد فقام بالناس التراويح. والله هذا، نحن لم ندخل بعدُ في رمضان ولم نصم؛ لأن أصل رمضان يدخل بالمغرب، هذا مغرب الليلة التي نرى فيها الرؤية.
بيان كيفية دخول اليوم الأول من رمضان وانتهائه بالمغرب
فلو رأينا الهلال قلنا: نحن بقينا الآن في رمضان. فإذا كان هذا اليوم الأول [من رمضان]، فمتى ينتهي الخاص برمضان؟ عندما يؤذّن المغرب ونأكل، فيكون اليوم قد تمّ تمامًا.
لماذا؟ إذن لأنه من مغرب الأمس. ففي يوم اثنين وعشرين [من ذي القعدة في مثالنا] الذي قلنا عنه: هذا أول ما يؤذّن المغرب انتهت العدة.
حق المرأة في الزواج بعد انتهاء العدة وعدم جواز منعها من ذلك
فماذا تذهب [المرأة] لتفعل؟ إذن قالت: أنا أريد [أن أتزوج]. تزوّجت، فلا يقولنّ أحد منكم لها: يا سيدتي عيب، هذا زوجك لا يزال ميتًا! لأنه ليس عيبًا أن تطالب بحق قرّره لها رب العالمين.
فالعيب عليك أنت أن تقول لها ذلك. ولكن سلوك بلدنا أنها تقعد سنتين، ثلاث، أربع سنوات حتى تئنّ من جنباتها. لا، سلوك بلدنا هذا خطأ.
الذي صحيح هو الذي قال له ربنا [سبحانه وتعالى]؛ لأنه يعلم الخلق ويعلم الذي في قلبك، ويعلم عقلك الذي تركب خطأ، يعرف كل شيء سبحانه وتعالى، يعلم كل شيء ظاهر وباطن.
تفسير قوله تعالى فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف وحق المرأة في طلب الزواج
فذهب [الأمر إلى ما قرّره الله]، لماذا؟
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]
وجاء يوم اثنين وعشرين، يعني المثال الذي ضربناه، فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف.
تقول لك [المرأة]: أنا أريد أن أتزوج، وأنت وليّها أو أخوها أو عمّها أو ابن عمّها أو كذلك إلى آخره، لا تمنعوها من الزواج.
أليس من الأولى أن تتحسّري على زوجك قليلًا؟ لقد تحسّرتُ بما فيه الكفاية: أربعة أشهر وعشرة أيام. يعني الرجل معها منذ ثلاثين سنة ولا يكفيه إلا أربعة [أشهر وعشرة أيام]؟ ما هي كانت معها ثلاثون سنة، ولمّا ماتت تزوّج في الأسبوع!
هل للرجل عدة بعد وفاة زوجته وحكم الحداد عليه
ما علاقة هذا بهذا؟ هذا ربنا [سبحانه وتعالى] الذي أباح هذا، فالمباح مباح [بحكم] الله.
هل الرجل ليس له عدة؟ قال لك: لا، الرجل ليس له عدة. الرجل تموت زوجته اليوم، يجوز له أن يتزوج غدًا.
وهذا هو ما نقوله له: أن سيدنا رسول الله ﷺ قال في الحداد أنه ثلاثة أيام. أخشى، يعني هو أنت تموت اليوم، امرأة تأتي متزوجة غدًا، تقيم العرس غدًا والناس حزانى؟ هذا عيب!
انظر، التكاليف آتية على الرجل أكثر. كيف؟ آه، والله ما قال هنا [القرآن] شيئًا عن الرجل، تركها للعُرف.
فترة التربص للرجل عند إرادة الزواج بأخت مطلقته أو قريبتها
طيب، متى يكون للرجل تربّص؟ قلناها من قبل: اسمها فترة التربّص، وهو ما ليس له عدة، ولكن يمكن أن يتربّص هو الآخر.
عندما يكون متزوجًا من أخت امرأة وطلّقها، وأراد أن يتزوج أختها، ولا يجوز له أن يجمع بين الأختين، فيلزم أن ينتظر عدة زوجته التي طلّقها منه، والتي هي ثلاث قروء، حتى يجوز له أن يتزوج أختها أو عمّتها أو خالتها.
فإذن يبقى هو انتظر، فهو رجل متزوج أربعة [نساء] وطلّق واحدة، لا يجوز له أن يتزوج واحدة مكانها إلا بعد فترة التربّص.
الفرق بين تسمية العدة للنساء والتربص للرجال عند الفقهاء
وسمّيناها تربّصًا من هذه الآية؛ أن التي تعتدّ سمّيناها عدة لأنها تعدّ [الأيام]، وسمّيناها تربّصًا لأنه [الرجل ينتظر].
فلماذا لا تسمّونها عدة الرجل؟ قال: لا، عيب! هذه العدة للنساء، واتركوا هذا التربّص للرجال. عندهم ذوق الفقهاء، عندهم ذوق الفقهاء وهم يتكلمون.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
