سورة البقرة | حـ 302 | آية 253 - 254 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 302 | آية 253 - 254 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • فضل الله الرسل بعضهم على بعض، والأنبياء لا يورثون مالاً بل يورثون العلم.
  • من جاء بعد الأنبياء اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا.
  • من آمن بسيدنا محمد آمن به وهو يعرفه، كخديجة وعلي وأبي بكر الصديق.
  • النبي صلى الله عليه وسلم كان ظاهره كباطنه، وحياته الخاصة مكشوفة للناس.
  • نساء النبي أحببنه وقدرنه ودافعن عنه رغم تعددهن.
  • الصحابة خير جيل أخرجه الله للناس، وما زالت سيرهم وقبورهم معروفة إلى اليوم.
  • وصفهم ابن حجر بالعدول لأن النبي نظر إليهم فأحدث في نفوسهم ما اقتضى عدالتهم.
  • حث على الإنفاق مما رزق الله قبل يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة.
  • قال عطاء: "الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون"، فليس كل ظالم كافراً.
  • في هذا رد على التكفير والأفكار الضالة التي تكفر المسلمين بالمعاصي.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

تلاوة آية تفضيل الرسل بعضهم على بعض من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ [البقرة: 253]

الأنبياء لا يورثون المال وإنما يورثون العلم لمن بعدهم

حسنًا، لمّا الناس هذه طيبة كذلك، والأنبياء لا يورّثون دينارًا ولا درهمًا ولا دنيا، وإنما يورّثون العلم لمن بعدهم.

ولكن الجيل الذي بعد النبي، والذي أنعم الله عليه بأن يرى النبي -أيَّ نبيٍّ- يحدث بينهم اختلاف.

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]

إيمان أتباع الأنبياء السابقين دون معرفة مسبقة وإيمان أصحاب النبي محمد بمعرفتهم له

كل الذين قابلوا الأنبياء [السابقين] آمنوا بهم وهم لا يعرفونهم، آمنوا بهم وهم لا يعرفونهم. ولكن من آمن بسيدنا محمد ﷺ آمن به وهو يعرفه.

من أول من صدّقه؟ خديجة زوجته، وأيضًا من؟ علي بن أبي طالب الذي تربّى معه في البيت، وكذلك من هو؟ أبو بكر الصديق حبيبه وصاحبه.

الفرق بين إيمان من يعرف النبي ومن لا يعرفه وأثر المعرفة في التصديق

﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]

وما الفرق [بين إيمان من يعرفه ومن لا يعرفه]؟ قال: الفرق كبير. الفرق أن الذي يعرفك صغيرًا لا يوقّرك كبيرًا؛ فهو يعرفك وأنت كنت تلعب، إلا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ جميعهم وقّروه لأنهم يعرفونه، وليس لأنهم لا يعرفوه.

عندما عرفوه صدّقوه. آخرون لم يروا من قبلُ رجلًا كاملًا تقيًّا ورعًا على درجة عالية من العلم ومن التقوى وما إلى ذلك؛ فآمن به بسبب هذه الصفات. أما سبحان الله، الآخر فقد آمن به لأنه يعرفه من البداية وأنه لم يُخطئ قطّ.

شفافية حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتطابق ظاهره مع باطنه

حسنًا، سيدنا رسول الله ﷺ كان ظاهره كباطنه. المرء لماذا هكذا؟ [لأنه ﷺ لم تكن له] حياة خاصة أبدًا؛ حياته الخاصة مكشوفة لدى الناس، ولم يستطع أحد من البشر أن يُعقّب عليه.

ولمّا كان عنده أسرة [السيدة خديجة رضي الله عنها] اكتفى بامرأة واحدة مراعاةً للأسرة، فلمّا فقد الأسرة [بوفاة السيدة خديجة] تزوّج تسعًا، كلهن يراقبنَ بالليل والنهار. ما هذا! لم تكن له حياة يُخفيها عن الناس، هذا أمر شفاف جدًّا صلى الله عليه وسلم.

محبة زوجات النبي له جميعًا ونصرتهن له رغم تعددهن

كان ينبغي أن تتخاصم هؤلاء النساء [زوجات النبي ﷺ] مع بعضهن البعض بسبب الصراع على الرجل، لكن أبدًا! جميعهن أحببنه وقدّرنه وعزّرنه ونصرنه ودافعن عنه، حبَّ الوالد للولد، صلى الله عليه وسلم.

تميز أتباع النبي محمد بحفظ أسمائهم وسيرهم على مر التاريخ

الأنبياء [السابقون] ذهبوا ولم يبقَ ذكرُ أحدٍ من أتباعهم إلا القليل. من هم أتباعه ﷺ؟ ما رأيك؟ لدينا عشرة آلاف عندنا أسماؤهم رجال ونساء، أتباع النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، رجال ونساء.

ونعرف كل شيء عنهم: متى وُلدوا، ومتى ماتوا، ومن تزوّجوا، وكيف عاشوا، وإلى أين ذهبوا، وأين ماتوا. وما رأيك أن قبورهم موجودة حتى الآن!

الصحابة خير جيل أخرجه الله للناس وخروجهم لنشر النور

وما رأيك أنهم كانوا خير جيل أخرجه الله للناس! حتى قال بعض المستشرقين: حفاة عراة ليغزوا العالم. أبدًا! هم خرجوا ليُخرجوا العالم من الظلمات إلى النور.

عدالة الصحابة جميعًا وأثر نظر النبي في تربيتهم وتزكيتهم

هذا الذي [الجيل الذي] بعد سيدنا محمد ﷺ، الذي بعد سيدنا محمد كلهم عدول. سبحان الله عدول!

لماذا عدول؟ يقول ابن حجر [في كتابه فتح الباري]: لأن النبي ﷺ قد نظر إليهم فأحدث في نفوسهم ما اقتضى عدالتهم، عليه الصلاة والسلام. انظر إليهم هكذا هو فأصبح عبد [صالح].

وهذه يسمّونها التربية بالنظرة؛ تنظر إليه فيتربّى. هذا سيّد [الخلق ﷺ]، هذه وقائع يا إخواننا، هذا ليس خيالًا. هذا نحن جالسون نحكي، لا نزال في سيرة عمر وسيرة علي وسيرة أبي بكر وسيرة عثمان وسيرة الزبير وطلحة وسيرة [غيرهم] حتى اليوم. هذا ليس وهمًا، هذه حقائق بسيطة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الأمر بالإنفاق قبل يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]

بسرعة، أنفقوا؛ لأن النفقة معناها عطاء، والعطاء هو الحب. في حبٍّ في دوام، وفي عمارة، وفي عبادة، وفي كل شيء. ما لا يوجد حبّ يبقى، ما لا توجد رحمة وليس هناك أي شيء. وبعد ذلك:

﴿وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]

حكمة عطاء التابعي في التفريق بين الكافرون هم الظالمون والظالمون هم الكافرون والرد على التكفير

يقول عطاء [بن أبي رباح التابعي]: الحمد لله الذي قال:

﴿وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]

ولم يقل: "والظالمون هم الكافرون". لو كان قال: "والظالمون هم الكافرون" لكنّا جميعًا ضللنا.

الأولاد الذين يُكفّرون الناس نقول لهم: اقرأ القرآن! والكافرون هم الظالمون وليس الظالمون هم الكافرون. أنا ظلمتُ نفسي، أأبقى كافرًا؟!

انظر إلى الفلسفة والحكمة التي لعطاء التابعي؛ يقول: والحمد لله، يحمد ربنا الذي قال: والكافرون هم الظالمون ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.

هذه ردٌّ على التكفير والهجرة والتكفير والبركة والتكفير وما لا يُعرف، والكلام الذي يسير. هذا كلمة واحدة، سياق واحد، يردّ على كل فكر ضالّ.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله.