سورة البقرة | حـ 281 | آية 235 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 281 | آية 235 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص الآية الكريمة "ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء" ويوضح كيف أن الله لم يحرم المشاعر الإنسانية كالحب والعشق بل هذبها ووجهها.
  • يذكر حديث "من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا" ويبين جهود العلماء في دراسة سنده مثل أحمد بن الصديق الغماري.
  • يوضح النص إنسانية الإسلام في التعامل مع الخواطر والمشاعر، ويشير إلى دعوة جلال الدين الرومي للحب بأنواعه المختلفة.
  • يبين معنى النهي عن مواعدة النساء "سرا" في الآية، وأنه نهي عن المواعدة في الخفاء بعيداً عن الشفافية.
  • يشرح أن كلمة "السر" قد تأتي بمعنى الزواج في اللغة العربية.
  • يفسر جملة "ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله" بأنها فترة يحرم فيها الزواج.
  • يختم بأن الله تعالى لم يؤاخذنا على ما يرد في قلوبنا بشرط ضبط النفس.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن الله لم يحرم ما خلقه فينا من مشاعر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235]

والله ما خلق شيئًا وحرَّمه؛ خلق فينا الغضب فلم يحرِّم علينا الغضب، وإنما حرَّم علينا أن يتحكَّم فينا الغضب. خلق فينا الحب فلم يحرِّم علينا الحب، وإنما حرَّم أن يتمكَّن منا الحب حتى نتَّبع الشهوات ونضلَّ به.

خلق فينا معانيَ ثم بعد ذلك لم يحرِّمها علينا، وإنما وجَّهها وهذَّبها.

حديث من عشق فعفّ فكتم فمات مات شهيدًا وبيان معناه

ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقام:

قال النبي ﷺ: «من عشق فعفَّ فكتم فمات، مات شهيدًا»

يبقى الإنسان عشق، بعد أن عشق، العشق جذبه إلى امرأة، هذه المرأة متزوجة، فماذا بعد ذلك؟ ذلك [الزواج منها] لا يصحّ، فكتم الحبَّ الذي في قلبه، هذا وضغط على نفسه فأصابه ضغط دم فمرض من شدة الكتمان، لم يرضَ أن يفعل ما يُغضب الله فمات. هل تعلم أن له أجر شهيد؟ نعم، له أجر شهيد [كما جاء في الحديث].

دفاع الشيخ أحمد بن الصديق الغماري عن صحة حديث من عشق فعفّ

السيد أحمد بن الصديق الغماري ألَّف كتابًا ماتعًا يدرأ فيه ضعف سند الحديث [حديث من عشق فعفّ]، فقد قال بعض الناس إن هذا الحديث ضعيف، فقام فقال: «درء الضعف عن حديث من عشق فعفّ».

يحيى بن معين قال: لو معي فرسٌ ورمحٌ لغزوتُ سويد بن سعيد راوي هذا الحديث؛ اتَّهم به سيدنا سويد بن سعيد، قال [يحيى بن معين إن] سويد بن سعيد أخطأ فيه. سويد بن سعيد هذا هو من رجال مسلم، أخرج له مسلم [في صحيحه].

فجاء الشيخ أحمد بن الصديق غيرةً على سويد بن سعيد وجمع أسانيد الحديث من غير طريق سويد بن سعيد، فيكون سويد غير متَّهم في الحديث ولا شيء.

إنسانية الإسلام في التعامل مع مشاعر الحب ودعوة جلال الدين الرومي إلى الحب

وحديثٌ جميل يبيِّن مدى إنسانية الإسلام وماذا نفعل في هذه الخواطر التي ترد على أذهاننا ونفوسنا، وكيف نتعامل معها؟ لا نرفضها ولا نصدُّها؛ فالحب جميل، وليتنا نحبُّ بعضنا بعضًا، وليتنا نوقِّر الحب في قلوبنا.

ومن جرَّب الحب فإنه يجده أعلى مراتب الشعور، ولذلك نرى جلال الدين الرومي وهو يدعو الناس إلى الحب؛ دعاهم إلى حب الألوان، دعاهم إلى حب الشمس والقمر وما حولنا، حبِّ هكذا ما خلق الله والتمتُّع به.

دعاهم إلى حب الله ورسوله وهذا أرقى نوع من أنواع الحب، إلى حب الجيران، إلى حب الحياة. ولذلك الشيخ جلال الدين الرومي مشهور في مذهبه أنه مذهب الحب.

مراعاة الله لمشاعر الإنسان والنهي عن المواعدة سرًّا في العدة

ربنا سبحانه وتعالى راعى هذا معنا وهو الذي خلقنا وجعل له [لهذا الأمر] أحكامًا، فقال:

﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235]

يعني ماذا؟ يعني في الخفاء. الإثم ما تردَّد في القلب وخشيت أن يطَّلع عليه الناس. أنت ذاهبٌ لتعزِّي وتعزِّي المرأة [المتوفَّى عنها زوجها] وتقول لها: البقاء لله وحده، وجالسٌ تتباطأ هكذا حتى ينصرف الناس.

لماذا تتباطأ؟ قل الكلمتين اللتين تريد أن تقولهما وانصرف. يقول لك [أحدهم]: فقط سأقول لها في السرِّ فحسب. آه، بدأنا في السرِّ إذن في الخفاء يعني! فربنا نهانا عن هذا، عن اللفِّ والدوران وعدم الشفافية.

معنى كلمة السر في لغة العرب واستعمالها بمعنى الزواج

ولكن لا تواعدوهنَّ سرًّا، فتبقى الأمور أمام أهلها، أمام الناس؛ لأن الطريق الصحيح لا يخجل منه أحد.

وبعضهم قال: لا، كلمة «سرّ» هنا معناها زواج؛ هذا اسمٌ من أسماء الزواج في لغة العرب. العرب تسمِّي العلاقة الشرعية بين رجل وامرأة الزواج، وتسمِّيها النكاح، وتسمِّيها السرّ.

﴿وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235]

وقيل إن الإمام مالك ألَّف كتابًا أسماه «كتاب السرّ»، يعني أحكام الزواج. وقيل إنه لم يؤلِّف هذا الكتاب وإنه لم يوجد مثل هذا الكتاب. لا يهمُّنا إن كان موجودًا أم لا، الذي يهمُّنا أنه استُعملت كلمة السرّ هنا في معنى الزواج. كتاب السرّ ما هو؟ السرّ يعني ماذا؟ قال لك: السرّ يعني الزواج.

التعريض بالخطبة في العدة وعدم التصريح بطلب الزواج

ولا تواعدوهنَّ سرًّا [أي زواجًا]:

﴿إِلَّآ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [البقرة: 235]

تقولوا قولًا يعرف الناس فيه أن هذا تلميحٌ وتعريض لطلب يدها وطلب الزواج. [كأن يقول:] أنا رجلٌ صالح، أنا رجلٌ قادر، أنا لستُ سيِّئًا. وما شأننا بك إن كنتَ سيِّئًا أم لا؟ ما أنت تُلقِّح الكلام الآن! يقول لك: هكذا يعني، يقول كلامًا يُفهم منه أنه يريد الارتباط لكن لا يصرِّح.

﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ﴾ [البقرة: 235]

نحن نقول لا تتكلَّم [بالتصريح]، فواحدٌ يقول: طيِّب أنا لن أتكلَّم، نحن سنذهب إلى المأذون مباشرةً وننتهي! قال له: لا، هذه الفترة [فترة العدة] فترةٌ يحرم فيها ارتباط هذه المرأة بأيِّ زوجٍ كان.

وجوب انتظار انقضاء العدة وتحويل خواطر القلب إلى خير

﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235]

الأربعة أشهر وعشرة أيام [هي عدة المتوفَّى عنها زوجها].

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: 235]

فتبقى الأمور التي تأتي في القلب لا نحوِّلها إلى شرٍّ وإنما نحوِّلها إلى خير.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235]

ولذلك ترك لكم ما يرد في أذهانكم وفي نفوسكم، بشرط أن تضبطوا أنفسكم. لا تغضب ولك الجنة:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.