سورة البقرة | حـ 274 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 274 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفسير الآية في سورة البقرة "والوالدات يرضعن أولادهن" يبين آثار العقد الصحيح للزواج وكيفية رعاية الأسرة والأولاد.
  • العلاقة بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة علاقة رعاية وعناية، سواء في الزواج أو بعد الطلاق.
  • الأنوثة تحتاج إلى الرعاية دائماً، وهذا حق قررته الشريعة للمرأة.
  • في قوله تعالى "فإن أراد فصالاً" تأتي الإرادة كصفة للإنسان الحر، وتكون صحيحة عندما تصدر عن قصد وعلم ودون إكراه.
  • هناك "عيوب الإرادة" كالإكراه والضغط الجسدي والنفسي، مما يجعل الإرادة مشوبة وغير خالصة.
  • الإدراك شرط للإرادة الصحيحة، فالنائم أو الغاضب جداً أو فاقد الوعي لا تعتبر إرادته معتبرة شرعاً.
  • طلاق فاقد الإدراك لا يقع لفقدان شرط الإرادة الصحيحة.
  • قوله "أرادا" تعني اتفاق إرادة الزوجين معاً كما اتفقا عند الزواج.
  • الطلاق يجب أن يكون قراراً متأنياً وليس نتيجة غضب أو انفعال.
  • الوقوف عند كلمات القرآن وتدبرها يساعد على فهم التشريعات والعيش وفقاً للقرآن الكريم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة وبيان موضوع آية الرضاعة من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، ومع الآية العظيمة:

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]

يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يبيّن لنا آثار العقد الصحيح للزواج: كيف نقوده؟ كيف نتعامل مع الأسرة؟ كيف نراعي الولد؟ كيف نجعله في حماية ورعاية؟

مراتب رعاية الأسرة من الكفاف إلى الكفاية والكفاءة

أقل ما يُقال فيها [في هذه الرعاية] أنها حد الكفاف الذي يرتقي إلى الكفاية، والذي يرتقي بعد ذلك إلى الكفاءة.

ما العلاقة بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة؟ وأنها علاقة رعاية وعناية دائمًا. فرأيناهما وهما في الزواج، ورأيناهما بعد الطلاق، ورأيناهما وهو [الزوج] في الحياة، ورأيناهما وهو بعد الحياة [أي بعد وفاته].

الأنوثة تحتاج إلى الرعاية والشريعة قررت ذلك حقًا لها

إذن الأنوثة تحتاج إلى الرعاية أبدًا. تأتي الأنوثة الآن في عصرنا لا تريد الرعاية والعناية؛ خلاص، حقٌّ تنازلت عنه، ولكن قررته لها الشريعة، فمن أرادت أن تتمتع به فحقها قررته لها الشريعة.

والشريعة أعلم [بمصالح العباد]:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

معنى الإرادة في قوله تعالى فإن أرادا فصالًا وشروطها

يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:

﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا﴾ [البقرة: 233]

النقطة الأولى: أرادَا، يريدان أن ينفصلا [أي يفطما الرضيع]. هذه الإرادة لا بد فيها من الإدراك والإملاك.

كلمة أرادَا، عندما نأتي لنفسر القرآن نقف عند كل كلمة، نتوقف هكذا ونُعمل عقلنا ونفكر: أرادَا تعني ماذا؟ فلماذا لا تُكمل؟ أراد الأول تعني ماذا؟ اكمل هذا الأمر. هو هكذا هو صحيفة سيارة؟ لا! هذا قرآن كريم.

﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ [البقرة: 233]

أن يبقى شرط أرادَا؛ الإرادة هذه صفة من صفات الإنسان الحر.

شروط الإرادة الصحيحة من القصد والعلم وانتفاء الإكراه

يبقى إذن ربنا أتاح لنا أن نريد. والإرادة هذه متى تكون إرادة صحيحة؟ عندما أقصدها، عندما أكون عالمًا بها، عندما تكون من غير إكراه.

ولذلك عندنا شيء يسمى عيوب الإرادة؛ أنه يتم إكراه عليَّ، فيبقى أنا قلت نعم تحت تهديد الإكراه: هذا السلاح، الضغط الأدبي، الضغط الجسدي، النفسي. في إرادة مشوبة، يعني ماذا؟ يعني ليست خالصة.

وربنا هنا يريدها إرادة خالصة؛ يريد الله هذا من الإرادة أن تكون خالصة، أن أكون أقصد هذا.

حكم طلاق النائم وفاقد الوعي لانعدام الإدراك والإرادة

فإن خرج مني كلام وأنا غير مدركه فأكون غير مريده. فلو تكلمت نائمًا، واحد وهو نائم قال لزوجته: أنت طالق، رأى رؤيا أو حلمًا؛ لأن الحلم من الشيطان والرؤيا من الرحمن.

إذا كانت [الرؤيا] مُعكننة عليه [أي مزعجة له] ومزاجه [سيئ] فذلك من الرحمن [أي ابتلاء]، وإذا كانت لا فمن الشيطان.

وهو نائم يا عيني، مضغوط ومقهور، قال لها: يا فلانة أنت طالق! لا، وقلقل القاف كمان: أنت طالق! وهو نائم. كذلك هو، طب وبعدين؟ قال: لا يُحسب هذا الطلاق ولا يُعتد به ولا يُحاسب عليه؛ لأنه لا يملك نفسه، ذلك نائم.

الرؤيا مبشرات وليست حجة شرعية ولا يترتب عليها حكم

ومن هنا كانت المنام والرؤيا لا حجة لها في شرع الله، إنما هي مبشرات. يقول: لقد رأيت لك رؤيا جميلة والحمد لله، جيد.

ولكن هذا يجعلني أزداد تواضعًا وعبادة واستغفارًا وهكذا، ولا يجعلني أزداد تكبرًا ولا اعتمادًا على أن انتهى الأمر وأن واحدًا رأى لي رؤيا، لا ينفع [ذلك].

حكم طلاق فاقد الإدراك كالمبنّج والغاضب غضبًا شديدًا

فالإدراك [شرط أساسي في صحة الطلاق]؛ أن واحدًا في البنج قال لها: أنت طالق، لا ينفع؛ لأنه لا يملك نفسه.

واحد في الغضب بحيث إننا نسأله عن الزمان والمكان والأشخاص والأحوال فيتبين أنه كان غير مدرك لها. يا الله يا بني، أين كنت؟ أنا لا أعرف. إذن من الذي قال لك إنك قلت أنت طالق؟ قال: كانوا يشغلون أولاد الدين تسجيلًا، هي وأمها سمعت صوتي فعلًا فيه وأنا أقول لها: أنت طالق.

لكن أنت لست تتذكر؟ قال: لا، هؤلاء أخرجوني عن وعي، هؤلاء أفسدوا عقلي، فقلت لها أنت طالق وأنا لا أعي. لا يقع الطلاق لفقدان الإدراك.

حالة الغضب الشديد والإرادة المشوبة وأثرها على وقوع الطلاق

لفقدان ماذا؟ الإدراك. الآخر [يقول]: لا، أنا مدرك. قال لها: كنا في البيت وفي الصالة وأنا واقف وكان أخوها موجودًا، وقلت لها أنت طالق.

لكن كانت تخرج مني كالقذيفة، لا أستطيع التحكم فيها ولا أملك ذلك من شدة الغضب.

فما هذا وما هي الإملاك؟ فهذه إرادة مشوبة [أي معيبة بالغضب الشديد الذي يفقد صاحبه السيطرة على ألفاظه].

الوقوف عند كلمة أرادا والتفريق بين الإرادة الصحيحة والفاسدة

﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ [البقرة: 233]

فلتقف عند أرادَا. انظر حين تقف عند أرادَا وتبيّن الفرق بين الإرادة وبين العلم وبين القدرة، وتبيّن ما هي شروط الإرادة الصحيحة والإرادة الفاسدة، وتتبيّن أيضًا قضية الإدراك والإملاك، وتبقى كل هذا في كلمة ماذا؟ أرادَا.

دلالة ألف الاثنين في أرادا على اشتراط اتفاق الإرادتين في الفصال

وبعد ذلك، هل أرادَا أم لم يُرِد؟ الألف لا تفوتها! هذه الألف معناها أن هما الاثنان جلسا، كما جلسا وهما يتزوجان. وهما يتزوجان ذهبا جالسين ومتفقين، فاتفقت الإرادتان.

فكذلك عند الطلاق، لا يأتي هكذا من غضب وانفعال وضوضاء؛ هذا يجب أن يكون عن قرار.

﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ [البقرة: 233]

فسوف نرى في الحلقة القادمة ماذا سنفعل في الذين أرادوا هؤلاء الفصال [أي فطام الرضيع قبل الحولين].

أهمية الوقوف عند كلمات القرآن وتنزيلها على أرض الواقع

لكن تعلمنا الآن أن نقف عند الكلمة وأن نبحث فيها وأن نتخيلها وأن ننزلها في أرض الواقع؛ حتى نرى كيف نعيش القرآن الكريم.

وما الأخطاء التي وقع فيها المسلمون حتى انحرفوا شيئًا ما عن دينهم وعن حضارتهم وعن حياتهم وعن توجيهات ربهم وأوامره ونواهيه لهم في كتابه العزيز.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.