سورة البقرة | حـ 259 | آية 228 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 259 | آية 228 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

8 دقائق
  • يوضح القرآن في سورة البقرة أحكام الطلاق، فالبعولة أحق برد زوجاتهم في العدة إن أرادوا إصلاحاً.
  • ينقسم الطلاق إلى نوعين: رجعي وبائن، والبائن إلى بينونة صغرى وبينونة كبرى.
  • الطلاق الرجعي يجوز فيه للزوج مراجعة زوجته دون إرادتها لأنها مازالت زوجته.
  • البائن بينونة صغرى كالخلع وطلاق القاضي، لا تعود فيه الزوجة إلا بعقد جديد بمهر وشهود وولي ورضا الطرفين.
  • البائن بينونة كبرى لا يحل للمرأة العودة لزوجها إلا بعد زواجها من رجل آخر.
  • تعتد المرأة ثلاثة قروء حتى في الطلاق البائن، والعدة للتعبد وخلو الرحم.
  • يشترط في المراجعة إرادة الإصلاح وليس الإضرار بالزوجة أو الانتقام منها.
  • العلاقة الزوجية تحكمها قاعدة "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" مع درجة القوامة للرجل.
  • جعل الله العدالة لا المساواة بين الزوجين، والرجل قائد الأسرة بحكمة إلهية.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة في أحكام الطلاق الرجعي والبائن في سورة البقرة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، حيث يقرر الله لنا أحكام الطلاق بين الزوج وزوجته، ويقرر فيقول:

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا إِصْلَـٰحًا﴾ [البقرة: 228]

فهذا [النص الكريم] يتحدث عن الطلاق الرجعي. وقلنا أن الطلاق على صنفين: إما أن يكون رجعيًا وإما أن يكون بائنًا.

فالرجعي يجوز للرجل أن يرجع زوجته؛ لأنها ما زالت زوجة له. والبائن لا يجوز له أن يفعل ذلك، كما لو طلّق القاضي، أو طلّقت بشرط اشترطته عليه وكان ذلك الشرط أن تطلّق نفسها بائنًا، أو اختلعت منه خلعًا؛ فكل ذلك بائن.

العدة في الطلاق البائن ليست فقط لحق الزوج بل للتعبد لله تعالى

لكنها [المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا] تعتد أيضًا وتنتظر الثلاثة القروء، وذلك أن العدة ليست فقط لحق الزوج، وإنما لخلو رحمها، وأيضًا للتعبد لله.

أي من غير سبب [آخر سوى التعبد]، أي أن امرأة تقول بعد شهر: تأكدت من خلو الرحم، ثم إن هذا بائن، فلماذا لا أتزوج؟ فنقول: لا بد من انتظار الثلاثة [القروء] للتعبد تعبدًا لله.

وهذه الفترة تبين مدى قدسية الزواج، وأنه ليس من اللهو ولا اللعب، إنما هي حياة يجب علينا أن نتأمل في قدسيتها. ولذلك بعض الناس يسميه الرباط المقدس، نعم؛ لأنه رباط كان تحت اسم الله سبحانه وتعالى وتحت كتابه وسنة نبيه، وفي اسمه وفي سنة نبيه الطُّهر كلها. ولذلك كان محترمًا معتبرًا مقدسًا تترتب عليه آثار.

أقسام الطلاق البائن بينونة صغرى وبينونة كبرى وأحكام كل منهما

والبائن على قسمين: بائن بينونة صغرى، وهذا معناه أنه بانقضاء العدة فقد بانت منه هذه الزوجة، فيجوز لها أن تذهب وأن تتزوج. وبائن بينونة كبرى، فلا يحل لها أن ترجع لزوجها الأول إلا بعد أن تتزوج زوجًا آخر، وهذا ما سوف نراه في الآية التي بعدها:

﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ [البقرة: 229]

إذا كان لدينا طلاق رجعي وطلاق بائن، وفي البائن لدينا بينونة صغرى وبينونة كبرى، إذن الطلاق على ثلاثة أنواع: رجعي، وبائن بينونة صغرى، وبائن بينونة كبرى.

أحكام المراجعة في الطلاق الرجعي والبائن بينونة صغرى والفرق بينهما

الرجعي يجوز للزوج أن يراجع زوجته دون إرادتها، أي حتى لو كان دون إرادتها. البائن بينونة صغرى لا يجوز له أن يراجعها إلا بعقد جديد، حتى لو لم تنقضِ العدة.

فمن خالع زوجته وأراد أن يراجعها ووافقت -لأنه لا بد من رضاها وموافقتها- فإنهما يعقدان عقدًا جديدًا بمهر جديد، بقبول جديد، برضا جديد، وبشهود وولي. وهكذا، جديد كله، هذا جديد.

وبائن بينونة كبرى ولا يحل للمرأة أن ترجع إلى ذلك الرجل إلا إذا كانت قد تزوجت برجل آخر كما سنرى.

تفصيل أحكام البينونة الصغرى وشروط العقد الجديد بعد الخلع

إذا كانت المرأة تريد أن ترجع إليه [زوجها] في البينونة الصغرى، بأن خلعته أمس وتم الخلع، فلا بد اليوم أن تعقد عقدًا جديدًا؛ لأن هذا من البينونة الصغرى.

ولا يلزم أن تمضي عدتها في البينونة الصغرى [للرجوع إلى نفس الزوج بعقد جديد]، فلو طلّق القاضي، أو طلّقت بشرط، أو كان على خلع، وأراد أن يعود مرة ثانية، فإنهما يعودان بعقد جديد.

وعقد جديد معناه: مهر جديد، وشهود جُدد، وقبول وإيجاب جديد يكشف عن رضا جديد.

شرط إرادة الإصلاح في الرجعة وحرمة الرجوع للإيذاء والانتقام

وقوله [تعالى]:

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا إِصْلَـٰحًا﴾ [البقرة: 228]

فإن لم يريدوا إصلاحًا، بأن أراد [الزوج] أن يرجعها حتى يؤذيها، وأن ينتقم منها، وأن يحصل منها متاع الدنيا، وأن يفعل كذا وكذا، فحرام عليه ذلك.

الشروط اللغوية [في الآية هي] أسباب شرعية؛ سبب الرجوع هو إرادة الإصلاح.

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

أما إذا أراد الدنيا وزينتها فحسيبه ربه، لا يكون هناك بركة، ولا يفلت من تعامل الله معه في الدنيا والآخرة.

مبدأ العدالة بين الزوجين ودرجة القوامة للرجل في الإسلام

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]

هذا هو مبدأ يحكم العلاقة الاجتماعية بين الرجال والنساء.

﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]

هذا هو كمالة المبدأ. القيادة في الأسرة هي للرجل. لو تركنا الطبيعة تعمل لغلب الرجل المرأة بجسده وبسلطانه هكذا، لو تركناها بالجسد فقط. لكن الله حجّم الرجل وقال:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]

ثم أعطاه شيئًا من السلطة حتى لا يخرج عن الشريعة، فإذا خرج عن الشريعة لا نعرف أن نضبطه.

﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228]

أي لا تستقوِ فإن الله أقوى منك. لا تستهينوا بهذا؛ فإن الله قوي عزيز حكيم. أن أعطاكم هذه الدرجة، وحكيم أن جعل العدالة لا المساواة بين الرجل والمرأة، وحكيم يدبر كونه كيف يشاء على أبدع ما يكون.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.