سورة البقرة | حـ 250 | آية 221 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •حرّم الله تعالى في سورة البقرة زواج المسلمين بالمشركات وزواج المسلمات بالمشركين، موضحاً أن المؤمنين يدعون إلى الجنة والمشركين يدعون إلى النار.
- •الزواج في الإسلام يتعلق بالشرع وليس بمجرد الطبع، فإذا لم يتوفر فيه الشرط الشرعي لم يكن زواجاً صحيحاً.
- •عقد الزواج بين غير المسلمين يعتبر عقداً وليس زنا، كما أثبت النبي ﷺ بقوله: "وُلدت من نكاح ولم أولد من سفاح".
- •زواج المسلمة بغير المسلم لا ينعقد شرعاً ويعتبر زنا، وعليهما إعادة العقد إذا أسلم الرجل.
- •لم يُكره الناس على الدخول في الإسلام، بل دخل كثيرون فيه بسبب الزواج والحب.
- •شكل هذا الحكم الشرعي طريقاً لانتشار الإسلام عبر الأجيال حين تزوج المسلمون بنساء أهل الكتاب، فأنجبوا أطفالاً مسلمين.
- •ينبغي التمسك بهذا الحكم لأنه باب للسلام، وإهماله قد يؤدي إلى الصدام بين الأجيال.
تلاوة آية تحريم نكاح المشركين والمشركات من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَنكِحُوا ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَـٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ ءَايَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 221]
حكم فقهي بنيت عليه الدعوة الإسلامية دون إراقة دماء
حكم فقهي بُنيت عليه الدعوة الإسلامية من غير أن تُريق في دعوتها نقطة دم واحدة.
حكم فقهي حرّم الله فيه على المسلمين أن يتزوجوا من المشركات، وحرّم الله فيه على المسلمات أن يتزوجن من المشركين.
الزواج أمر يتعلق بالتشريع لا بالطبع وشروطه الشرعية
وهذا [التحريم] جعل حُرمة الزواج أمرًا يتعلق بالتشريع وليس بالطبع؛ إنما جعله يتعلق بالشرع.
ولذلك إذا تمّ اللقاء الطبيعي بين رجل وامرأة ولم يتوفر فيه الشرط الشرعي، لم يكن زواجًا، بل كان شيئًا آخر؛ قد يكون زنا، وقد يكون عقدًا ولكنه ليس بزواج شرعي.
التفريق بين العقد والزنا في أنكحة غير المسلمين والدليل النبوي
فلو كان [اللقاء] بين مشرك ومشركة كان عقدًا ولم يكن زنا، ولو كان بين غير مسلم وغير مسلمة كان عقدًا ولم يكن زنا.
ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
«وُلِدتُ من نكاح ولم أُولَد من سِفاح، ولم يمسسني سِفاحُ الجاهلية الأولى»
يعني من لدن آدم [عليه السلام] إلى الوالدين الكريمين أبوَي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، كان نكاحًا ولم يكن سِفاحًا.
زواج آباء النبي على أعراف مجتمعاتهم وإن كان فيهم من لم يسلم
ولكن كان بعض أولئك [من آباء النبي ﷺ] كافرًا، نعم كان كافرًا ولم يُسلم، ولكنه تزوج على أعراف الناس في مجتمعه، ولم يكن من الخنا والفاحشة والزنا الذي هو خارج ذلك العقد.
فكل آبائه وكل أمهاته صلى الله عليه وآله وسلم، بما فيهم أبو إبراهيم [عليه السلام] الذي كان كافرًا بنص القرآن، وأمه؛ كان على عقد.
تصحيح أنكحة غير المسلمين وحكم زواج المسلمة من غير المسلم
يبقى إذن يمكن أن نُصحّح أنكحة الناس في الأرض إذا ما كانت على هيئة ذلك العقد، إلا أنه لم يكن على كتاب الله وسنة رسوله [صلى الله عليه وسلم].
والمرأة المسلمة إذا اقترنت بغير مسلم لا ينعقد العقد شرعًا، وهو محض زنا والعياذ بالله تعالى.
حكم إعادة العقد عند إسلام أحد الزوجين أو كليهما
فإن إذا أسلم ذلك الرجل [غير المسلم المتزوج من مسلمة] فعليه أن يُعيد العقد.
وإن أسلم غير المسلم وغير المسلمة معًا وكانوا في عقد وانتقلوا إلى الإسلام معًا، فليس عليهما أن يُعيدا العقد ما لم يكن زنا.
وفي حالة المسلمة التي كانت مع غير المسلم كان زنا [لعدم انعقاد العقد شرعًا].
أثر حكم تحريم نكاح المشركين في نشر الإسلام عبر المصاهرة
وكيف كان هذا [الحكم] مؤثرًا في نشر الدعوة؟ عندما جاء المسلمون إلى بلاد غير المسلمين ورفضوا أن يُزوّجوا المسلمات إلا للمسلمين، وتزوج المسلم بغير المسلمة إذا لم تكن مشركة وكانت من أهل الكتاب.
فتكوّنت أسرة وأنجبوا أطفالًا، والأم غير مسلمة والرجل مسلم، والأولاد أصبحوا مسلمين. وماتوا، هؤلاء الأطفال تزوجوا من أولاد الخال وبنات الخالة غير المسلمين أيضًا.
ومات هذا الجيل الثاني، الأطفال تخلّفوا فأصبحوا مسلمين، وتزوجوا أولاد الخال وتزوجوا بنات الخال، فانتشر الإسلام من غير إكراه.
طرق انتشار الإسلام المتعددة بالحب والاقتناع لا بالإكراه
وهذا مورد من موارد انتشار الإسلام؛ لأن انتشار الإسلام انتشر بطرق، منها وأعظمها هذا [طريق المصاهرة].
ومنهم من اقتنع بالإسلام فدخل في دين الله أفواجًا، ومنهم من دخل الإسلام لمصلحة، ومنهم من دخل الإسلام من أجل الحب حتى يتزوج امرأة مسلمة.
حدث كل هذا ولم يُكرِه المسلمون أحدًا على شيء من دينهم.
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
أثر آية تحريم نكاح المشركين في إيمان كثير من الناس بالحب لا بالإكراه
﴿وَلَا تَنكِحُوا ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]
فآمنت كثير من النساء من أجل هذه الآية. وبعد ذلك قال [الله تعالى]:
﴿وَلَا تُنكِحُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]
فآمن كثير من الناس بالحب وليس بالكره ولا بالإكراه.
وجوب تذكر حكم تحريم نكاح المشركين لأنه باب السلام لا الصدام
وفي نهاية الآية يقول [الله تعالى]:
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 221]
فإن هذا الحكم لا بد علينا أن نتذكره وأن نجعله دائمًا في أذهاننا. لماذا؟ لأنه باب السلام، ولو نسيناه سيصبح باب الصدام.
بعد جيلين أو ثلاثة سنجد أنفسنا نضرب بعضنا بالسلاح. فتنبّه أيها الإنسان لمراد الله؛ فإنه حكيم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
