سورة البقرة | حـ 239 | آية 215 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 239 | آية 215 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح المتحدث منهجية السؤال في الإسلام من خلال آية "يسألونك ماذا ينفقون" في سورة البقرة.
  • كان الصحابة قليلي السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالاً لقوله: "اتركوني ما تركتكم".
  • يجب السؤال في أمور العبادات الأساسية كالصلاة والصيام، وقبل الزواج والتجارة والحج.
  • ينبغي التفريق بين السؤال عن الأصول والفروع، فالأصول واجبة معرفتها أما الفروع فتؤدي للتشدد والوسواس.
  • في الوضوء والصلاة مثلاً، يكفي معرفة الأساسيات دون الدخول في تفاصيل كثيرة.
  • القرآن يستخدم أسلوب الحكيم في الإجابة على السؤال، فعندما سُئل عن ماهية الإنفاق أجاب بتوجيه النفقة للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل.
  • المنهج القرآني يعلمنا التركيز على الأصول دون الانشغال بالصور والمسائل التفصيلية.
  • هذا الفهم للدين يجنبنا الوسواس ويعلمنا الفكر المستقيم وكيفية العيش بفهم صحيح.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية يسألونك ماذا ينفقون من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 215]

أدب الصحابة في قلة السؤال وتحذير النبي من كثرة التردد على الأنبياء

لقد كانت الصحابة تسأل، ولكن كان سؤالهم قليلًا؛ فلم يكونوا يختلفون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا.

قال الله تعالى: ﴿لَا تَسْـَٔلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: 101]

يقول [الله تعالى]:

﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 102]

ويقول صلى الله عليه وسلم:

«اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة ترددهم على أنبيائهم»

فأطاعوه، فبطلوا يسألون.

فرح الصحابة بسؤال الأعرابي وأدب العلم في عدم الإكثار من السؤال

والسؤال عندما توقف، قالوا: كنا نحب أن يأتي الأعرابي ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهم لم يسألوا، وفي نفس الوقت الأعرابي الذي دخل وهو لا يعرف هذا الحكم فيسأل.

إذن من أدب العلم ألا تُكثر في السؤال، كما فصّلنا ذلك تفصيلًا من قبل في قصة البقرة [في سورة البقرة].

وجوب السؤال عن أحكام العبادات والمعاملات قبل الشروع فيها

قال والله، طيب، إن الفقهاء يقولون شيئًا مهمًّا جدًّا: إنه يجب عليك أن تسأل قبل أن تتزوج عن أحكام الزواج، وقبل أن تتاجر عن أحكام التجارة، وأول ما تبلغ عن أحكام العبادات كالصلاة والصيام، وقبل أن تحج تذهب وتسأل عن أحكام الحج.

التفريق بين السؤال عن الأصول والسؤال عن الصور والمسائل الفرعية

أحدهم يقول لي: اسأل، وأنت تقول لي لا تسأل! عن تفاصيل هذه المسألة. قالوا: لا، تسأل عن الأصول لا عن الصور والمسائل [الفرعية].

مثال ذلك في الصلاة:

كيف تُؤدَّى [الصلاة] يا أبنائي؟ أقول لك: اذهب وتوضأ بأن تغسل وجهك ويديك وتمسح رأسك وتغسل رجليك، فقط هذا.

أمثلة على الأسئلة التفصيلية المبالغ فيها في الوضوء التي تجلب الوسواس

أما الأسئلة التالية فدعك منها: في الحمام أم في المطبخ؟ وأنا واقف أم وأنا جالس؟ هل يصح من الصنبور أم يجب أن يصبّ لي أحدٌ؟ هذه المياه التي كانت في الخزان وكانت ساخنة، وقد سمعت مرة أن المياه الساخنة مكروهة، فهل هي مكروهة أم ليست مكروهة؟

هل أرتّب أم لا أرتّب؟ هل أدلّك هكذا أم أن يكفي أن تأتي المياه على وجهي؟ وهل تأتي على وجهي من اليمين أم من الشمال؟

الفرق بين السؤال عن الأصول والتشدد في التفاصيل الفرعية

على فكرة، كل هذا له إجابة، ولكنك تتشدد على نفسك، تتشدد على نفسك!

انظر الفرق بين سؤالك: ماذا نفعل؟ فقال لك: توضأ هكذا بهذه الكيفية. وانظر الفرق بين أنني أريد أن أعرف [كل التفاصيل الدقيقة].

وعلى فكرة، كل هذه الأسئلة التي ذكرناها الآن، العجيبة الغريبة التي ضحكتم عليها، فيها مدارس وفيها كلام وفيها أدلة وفيها مناقشات علمية وله علماء. إياك أن تُدخل نفسك في هذا [التفصيل الفقهي الدقيق].

الاكتفاء بمعرفة نواقض الوضوء دون التعمق في التفاصيل الفرعية

نواقض الوضوء، قام [العالم] وقال لك أربعة أشياء، ستة أشياء، لا أعرف، سبعة أشياء حسب المذاهب. حسنًا، اعرف نواقض الوضوء كما أقولها لك وكفى.

طيب، أنا مرة أمسكت زجاجة كولونيا، أأكون متوضئًا أم لا؟ غير متوضئ! وهل في الثلاثة أو الأربعة التي أخبرك عنها ذُكرت الكولونيا؟ لم تُذكر، فلا تسأل، اسكت.

كيفية الصلاة بإيجاز وعدم التعمق في التفاصيل الدقيقة كعدد التسبيحات

كيف أصلي؟ قال له: تعال واستقبل القبلة، في حديث اسمه المسيء صلاته، وهو يقول: الله أكبر، اقرأ الفاتحة، اركع، اسجد، أدِّ صلاة المسلمين هذه.

ولكن إذا قلت التسبيح، كم تسبيحة أقول؟ حسنًا [لا تتعمق في هذا].

في ستر العورة، استرها. كيف؟ استرها. بماذا؟ الله يسترها معك! لا تفعل هكذا، صلِّ هكذا، صلِّ كما المسلمون يصلون.

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

وهكذا.

التفريق بين السؤال عن الأصول الواجب تعلمها والسؤال عن الفروع التي تجلب الوسواس

إذن نستطيع أن نقول ماذا؟ السؤال يتعلق بالأصول، والسؤال يتعلق بالصور والمسائل والفروع.

أما الذي هو عن الأصول فافعله حتى تعرف دينك، وعادةً نحن نربي الأولاد على ذلك في البيت وانتهى الأمر، وتخرج وتصبح وكأنك تعرف كل شيء.

دعك من ذلك [السؤال عن الفروع الدقيقة]، لا تدخل في الموضوع الثاني هذا؛ لئلا يجلب الوسواس، خاصة في الطهارات. والأمر الآخر هو أن التعامل مع الناس [في هذه التفاصيل] قد يجلب الوسواس أيضًا. فإذا نُهينا عن هذا [التعمق في الفروع].

تفسير آية يسألونك ماذا ينفقون وبيان أن الجواب جاء عن لمن ينفقون لا عن ماذا ينفقون

﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 215]

فهذا سؤال، فقم بالإجابة وقل:

﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215]

هذا لم يُجب هذا السؤال! يقول: يسألونك ماذا ينفقون، أقال: يسألونك لمن ينفقون؟ يسألونك أين يوجّهون نفقتهم؟ لم يقل هذا! إنه يقول له: يسألونك ماذا ينفقون؟ أقال: حتى لماذا ينفقون؟ لم يقل لماذا، ولا قال لمن، ولا شيء.

أسلوب الحكيم في الإجابة بأن ينفقوا أي شيء ويوجهوه للوالدين والأقربين

إنهم يقولون: يسألونك ماذا ينفقون؟ أي ماذا ننفق بالضبط؟ قال لهم: انظروا، لا يكون السؤال هكذا. أنفقوا أي شيء، أنفقوا أي شيء!

﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: 215]

لكن لمن تقدمونه؟ أعطوه لأبيكم وأمكم لكي يكون في ذلك برّ والدين. أعطه للأقربين حتى تكون هناك صلة رحم. أعطه لليتامى حتى يكون هناك تكافل اجتماعي. أعطه للمساكين وابن السبيل حتى يكون هناك تكاتف اجتماعي وتعاون اجتماعي.

﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215]

ردّه إلى الأصل: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم.

أسلوب الحكيم في القرآن يعلمنا السؤال عن الأصول وترك الانشغال بالفروع

وهذا يسمونه أسلوب الحكيم؛ يسأل عن شيء فيعلّمه كيف يسأل، ويجيبه على شيء آخر.

إنه يعلّمنا أن نسأل عن الأصول، ولندع مسألة الصور والمسائل التي نشغل بها خلق الله، وإن كانت لها إجابات، لكن من الخطأ منهجيًّا أن تخلط بين الاثنين.

إنه يعلّمنا الفكر المستقيم، ويعلّمنا كيف نعيش في الحياة الدنيا فاهمين.

الحمد لله على نعمة الإسلام والدعاء بالفتح في كتاب الله والختام

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين من غير حولٍ منا ولا قوة.

واللهم افتح علينا في كتابك ما تعلّمنا به مرادك ونبلّغه يا رب العالمين، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«بلّغوا عني ولو آية»

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.