سورة البقرة | حـ 285 | آية 240 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص آية المواريث في سورة البقرة التي تبين حكم الوصية للزوجة بعد وفاة زوجها.
- •الآية ترشد الزوج المشرف على الموت لعمل وصية لزوجته بنفقة تكفيها حولاً كاملاً مع إسكانها في بيتها.
- •هذه الوصية تكون مشروطة بعدم زواجها، فإن أرادت الزواج بعد انقضاء عدتها (أربعة أشهر وعشرة أيام) فلها ذلك.
- •يشدد النص على عدم منع المرأة من الزواج بعد انتهاء عدتها من قبل أقاربها.
- •ينتقد النص قول بعض المفسرين بنسخ هذه الآية، ويؤكد على صلاحيتها للتطبيق.
- •يؤكد أهمية تدبر القرآن والتعامل معه ككتاب هداية متجاوز للزمان والمكان.
- •يبين الفرق بين كلام الله الذي لا يأتيه الباطل وبين فهم البشر للقرآن وتفسيراتهم.
- •يحذر من الخلط بين النص القرآني وتفسيراته البشرية.
مقدمة تلاوة آية الوصية للأزواج من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 240]
الوصية بالنفقة على الزوجة لمدة عام بعد وفاة زوجها
استمرارًا لرعاية المرأة حتى بعد وفاة زوجها، فأرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى أن الإنسان وهو في مرض الموت وقد شعر بأن المسألة قد اقتربت، له أن يوصي وصيةً تكون خارج الميراث، تُصرف على المرأة نفقتها لمدة عام.
وهذه الوصية يمكن أن تكون مشروطة، والشرط أنها لم تتزوج بعد مضي العدة. فإذا مكثت أربعة أشهر وعشرة وهي العدة، فلم تتزوج ولم تخرج، فمن أين تأكل وتشرب؟ فرأى ذلك الرجل ومراعاةً لحال زوجته أن يجعل لها راتبًا شهريًا لمدة عام، وفي خلال العام تُدبّر شأنها.
حق المرأة في الزواج بعد العدة وعدم منعها من ذلك
فإذا حدث وبعد خمسة أو ستة أشهر من الوفاة ومضت العدة، رأت أن تتزوج زوجًا آخر، هو [الله سبحانه وتعالى] يقول "غير إخراج"، يعني ألا تخرج من بيتها، يعني ألا تذهب لتتزوج، يعني ألا تذهب للزواج.
فرأت غير ذلك [أي رأت أن تتزوج]، قال: انتهى، اتركوها. وليس هناك مانع من أن تتزوج ما دام هذا الزواج على سنة الله ورسوله، وليس لأحد أن يمنعها، لا أخوها ولا أبوها.
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 240]
تحذير الرجال من ظلم النساء بختم الآية بالعزيز الحكيم
انتبه!
﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 240]
وكلمة "عزيز حكيم" هذه تُخيف، وتُخيف من؟ الرجال الذين يفترون على من تحت أيديهم من النساء. أختك وابنتك، قل له: احذر من الله، والله عزيز وحكيم.
وعندما يقول لك [الله سبحانه وتعالى]: اتركها، يعني اتركها، لا تُطبّق عليها تقاليدك وأعرافك وعقلك وغيرتك عليها، لا تفعل هكذا. ربنا حكيم وعالم بالنفوس.
لا يوجد مانع أيها الرجل الذي شاهدت الموت أن تُوصي، لا يوجد مانع أن تكون هذه الوصية لتلك الزوجة، ولا يوجد مانع أن يكون ذلك تحت عنوان المتعة.
الفرق بين فهم القرآن مباشرة وبين ما هو مسطور في التفاسير
عندما نذهب فانظروا، انظروا الفرق بين فهمنا لكتاب الله فهمًا مستقلًا وبين المسطور في التفسير: الكلام الذي أقوله هذا ليس مسطورًا في التفسير.
الكلام الموجود في بعض التفاسير وفي كثير منها أن هذه الآية قد نُسخت، يعني ماذا؟ قال: يعني كان لها حكم وألغينا هذا الحكم. فلماذا هكذا؟ فما دامت الآية واضحة، فاقرأها كما لو كانت تخاطبك الآن.
تقرؤها باعتبار أن القرآن كتاب هداية ويرشدك إلى أشياء، وأن الإسلام أكبر من المسلمين؛ لأنه يخاطب العالمين، أكبر من الفقه؛ لأنه قد تجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، أكبر من البشر؛ لأنه كلام من رب العالمين نزل به الروح الأمين. هكذا نتعامل مع القرآن.
إعجاز القرآن في أن أعداءه يردون على التفاسير لا على نص القرآن نفسه
ولكن كثيرًا من الناس سواء من المسلمين أو من أعداء الإسلام ذهبوا إلى التفاسير ويردون على التفاسير. فسبحان الله الذي أنزل القرآن! هم لا يردون هكذا على القرآن، انتبه.
وهذا يُثبت إعجاز القرآن؛ أن التفسير عرفوا أن يردوا عليه ويقولوا: هذا ناقص، هذا خطأ، هذا كذا، هذا كذا. أما نص القرآن فهم لا يعرفون أن يردوا عليه.
أما الكلام هذا [أي التفسير البشري] غير الذي موجود في التفسير، يعني عندما غيّرنا فيه أصبح محلًا للرد. لكن نص القرآن نفسه؟ إنك لا تستطيع أن تناقش فيه حرفًا واحدًا؛ لأن هذا كلام رب العالمين نزل به جبريل على قلب سيد المرسلين.
التفريق بين كلام الله وفهم البشر والحمد لله على نعمة الإسلام
وهكذا تسمع الأشخاص الذين يردون ويتطاولون على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تجدونهم بعد ذلك يخلطون فيه غير كلام الله.
فهم البشر لكلام الله ليس كلام الله نفسه، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
