سورة البقرة | حـ 292 | آية 246 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص معنى قوله تعالى "ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى" في سورة البقرة.
- •كلمة "ألم تر" في اللغة العربية تعني انتبه جيداً، وهي للتنبيه والتعجب وليست للاستفهام الحقيقي.
- •يبين النص أن القتال والجهاد في سبيل الله ليس خاصاً بشريعة الإسلام، بل كان موجوداً في الشرائع السابقة.
- •المقصود بـ "الملأ" هم السادة وأصحاب القرار والقيادة والعلم والمشورة من بني إسرائيل وليس عامة الناس.
- •هؤلاء الملأ طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكاً ليقاتلوا في سبيل الله بعد أن أُخرجوا من ديارهم.
- •يؤكد النص أن الجهاد في سبيل الله مستمر إلى يوم القيامة كما أخبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- •الآية تبين أن بني إسرائيل تولوا عن القتال بعد أن كتب عليهم إلا قليلاً منهم.
- •الحكمة من ذكر هذه القصة هي التنبيه على وجوب فهم المقصد الحقيقي من وراء القصص القرآنية.
افتتاح الدرس وتلاوة آية القتال من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِن بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 246]
معنى تعبير ألم تر في لغة العرب ودلالته على التعجب والتنبيه
ألم تر كلمة في لغة العرب معناها: أخبرني، قل لي. ألم تر؟ أخبرني وأخبرني هنا ليس المقصود منها أن يُخبره [السامعُ المتكلمَ]، بل هي على سبيل التعجب.
تمامًا كما نقول هكذا في العامية: ألستَ منتبهًا لي؟ أيام ما حدث كذا وكذا، ألستَ منتبهًا؟ ألستَ منتبهًا؟ يعني تذكَّر، استحضِر، أحضِر هذه الصورة وضعها أمامك، انتبه، معناها كل هذا.
ألم تر يعني انتبه جيدًا، خذ حذرك. يعني خذ حذرك من ماذا؟ من الذي سيأتي [في القصة]. حسنًا، أأخذ حذري من الذي سيأتي؟ لماذا؟ هذا هو الكلام.
وجوب البحث عن المغزى والعبرة وراء القصص القرآنية لا الوقوف عند ظواهرها
فبمجرد أن تجد ألم تر يجب عليك فورًا أن تُحضِر نفسك؛ لأنك تنتبه وتبحث عمّا ستنتبه له.
ومعنى الكلام أنك لا تقف عند ظواهر القصة، بل لا بد أن تفهم ظاهر القصة وتفهم ما ترمي إليه [من عبرة ومقصد]، وأنت تسير هكذا دائمًا فتأخذها مفتاحًا وقاعدة.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل: 1]
فورًا، ألم تر يعني انتبه، أنت لستَ منتبهًا لي أم ماذا؟ فتنتبه هكذا، كأنه قال لك ماذا؟ انتبه. أيضًا نفس المعنى: خذ لي بالك.
فيكون ماذا إذن؟ انتبه لماذا [جاءت هذه القصة]، فلا أعود وأفسِّر ما هو شكل الفيل، وأصحاب الفيل من هم، وما الحكاية والرواية. حسنًا، هذا سيُفهمك قصة أصحاب الفيل، لكن لماذا جاء بها؟ هذا هو الكلام. ألم تر يجب أن تبحث عن لماذا يأتي بها [الله سبحانه وتعالى في كتابه].
قصة بني إسرائيل وأن القتال كان مشروعًا قبل الإسلام في شريعة موسى
فيقول هنا ماذا؟ يقول قصة فيها أن بني إسرائيل هؤلاء قاتلوا، وهؤلاء أتباع من؟ سيدنا موسى. سيدنا موسى هذا من أولي العزم من الرسل، وسيدنا موسى هذا هو -رضي الله تعالى عنه- من الأنبياء أصحاب الشرائع [الكبرى التي أنزلها] الله.
فيكون القتال كان في شريعة قبل شريعة الإسلام، فيكون سيدنا محمد ﷺ ليس بِدعًا من الرسل، لم يجئ بشيء جديد. يعني عندما طبَّق الناموس الأكبر الذي ارتضاه الله للبشرية من جواز الدفاع وصدِّ العدوان ورفع الطغيان والجهاد في سبيل الله.
الجهاد في سبيل الله ليس بدعة بل شريعة مستمرة من موسى إلى محمد وعيسى
فيبقى هنا انتبه إلى أنه قد كُتب عليكم القتال، ولكنه أيضًا كُتب على الذين من قبلكم، وإن هذا القتال ليس فيه أن دينَ [الله] -وهو دين الإسلام- قد أتى بشيء جديد وهو الجهاد في سبيل الله.
بل إن الجهاد في سبيل الله قد شُرع في الناموس الأعظم، وهو الذي أتى به موسى [عليه السلام]، وهو الذي صدَّقه عيسى [عليه السلام]، وهو الذي أقرَّه محمد صلى الله عليهم جميعًا وسلَّم تسليمًا كثيرًا يا رب.
معنى كلمة الملأ في القرآن ودلالتها على أصحاب القرار والعلم والمشورة
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ﴾ [البقرة: 246]
وما معنى كلمة الملأ؟ السادة أصحاب القرار، الحكام، أي القيادة. الملأ هكذا معناه هكذا.
ومن ذكرني في ملأ -أي في أناس هكذا أصحاب وجاهة وسيادة وسعادة وريادة- ذكرتُه في ملأ خير منه، أفضل من الملأ الذي له؛ فإن الناس درجات.
ألم تر إلى الملأ؟ فالملأ هنا أصحاب المشورة والفكر وأصحاب الرأي والمطَّلعين على كتاب الله التوراة، وليس المقصود عامة الناس هكذا وأتوا من عقولهم بما قد يكون صوابًا وما قد يكون خطأً. لا، بل أصحاب الرأي والمشورة والعلم والقيادة والريادة؛ لأنه قال الملأ.
ألم تر إلى الملأ؟ فيبقى إذن أن الذي يأتي [من حكم] هذا معتمَد، والذي يأتي هذا ليس فيه خروج على الشريعة ولا على الناموس.
استمرار الجهاد إلى يوم القيامة وتأكيده بالوحي عبر أنبياء بني إسرائيل
من بني إسرائيل من بعد موسى، فإذا كانت هذه شريعة باقية وسوف يقوم هذا الجهاد، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، هذا النبي الذي يقول ذلك صلى الله عليه وسلم، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.
فبعد محمد ﷺ سيستمر الجهاد، كما أنه بعد موسى [عليه السلام] استمر الجهاد.
إذ قالوا لنبيهم [نبيِّ بني إسرائيل]، هذا أيضًا تأكدت المسألة، ليس فقط بالاستنباط والعلم والقيادة والريادة، بل تأكدت أيضًا بالوحي؛ لأنه نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل.
طلب بني إسرائيل من نبيهم بعث ملك للقتال ودلالة جواب الأمر النحوية
ابعث لنا ملكًا، ابعث لنا قائدًا للحرب، نقاتل في سبيل الله.
ابعث هذا أمر، ويقول لك: جواب الأمر يكون على الفور، يكون في جزم كذلك. ابعث لنا ملكًا نقاتلْ، اللام عليها سكون؛ لأنها في جواب الأمر.
يعني كان الأمر في قوة الشرط، يعني: إنْ تبعث لنا ملكًا نقاتلْ، معناه كذلك.
﴿فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ﴾ [الملك: 3]
يرتدَّ إليك البصر، يرتدْ ساكنة هكذا، لماذا؟ لأجل جواب الأمر.
وجوب أن يكون القتال في سبيل الله والختام بالتوديع
نقاتل في سبيل الله، إذن القتال ينبغي أن يكون في سبيل الله.
وحكاية في سبيل الله هذه تحتاج إلى شرح طويل.
فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
